ثقافة ومجتمع
تحليل لأكثر من 63 مليون حالة وفاة يكشف أن 12.7 مليون أميركي ماتوا قبل أوانهم مقارنة بدول غنية أخرى، بفعل أمراض القلب و"وفيات اليأس".

أكثر من 12.7 مليون حالة وفاة كان يمكن تجنبها في الولايات المتحدة بين عامي 1999 و2022، لو أن معدلات الوفيات فيها تطابقت مع 17 دولة غنية أخرى. هذا ما خلص إليه "تشريح سكاني" تاريخي حلل أكثر من 63 مليون حالة وفاة، كاشفاً أن الأمريكيين يموتون في سن أصغر من نظرائهم في تلك الدول، مع اتساع الفجوة إلى "هوة سحيقة".
الدراسة، التي قارنت الولايات المتحدة بدول مثل اليابان وسويسرا وأستراليا، حددت عاملين رئيسيين يغذيان قِصر الأعمار: ارتفاع معدلات أمراض القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي، وزيادة حادة في "وفيات اليأس" المرتبطة بالمخدرات والكحول والانتحار. وأظهرت الأرقام أن الوفيات الزائدة السنوية تضاعفت أكثر من ثلاثة أضعاف خلال فترة الـ23 عاماً، من نحو 346 ألف حالة في 1999 إلى 905,159 في 2022.
وجد الباحثون أن أمراض الدورة الدموية، مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية، كانت المحرك الرئيسي للوفيات الزائدة في كل عام تقريباً شملته الدراسة. ورغم تحسن معدلات الوفيات هذه بين عامي 1999 و2009، إلا أن الاتجاه انعكس بشكل حاد بعد ذلك حتى 2022، بينما استمرت المعدلات في الانخفاض في الدول الأخرى.
وكشف التحليل أن الارتفاع في وفيات أمراض الدورة الدموية بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و64 عاماً بدأ قبل عقد كامل من بدئه لدى البالغين الأكبر سناً. وأشارت النتائج إلى أن عوامل طويلة المدى على مستوى السكان، مثل ارتفاع معدلات السمنة والتحولات في الأنظمة الغذائية، قد تلعب دوراً رئيساً.
وقال الدكتور نيل شاه، طبيب قلب في "نورثويل هيلث"، لصحيفة "نيويورك بوست": "بينما نبحث في هذا الأمر، نجد -كما تشير هذه الورقة بشكل مناسب- أن كمية أمراض القلب والأوعية الدموية والوفيات تبدأ في سن مبكرة مقارنة بالبالغين الأكبر سناً". وأضاف: "من أجل معالجة هذا الأمر، أعتقد أننا كدولة، ومن وجهة نظر السياسات، نحتاج إلى معرفة كيف سنوفر للمرضى الرعاية الوقائية والفحص الوقائي اللازمين حتى نتمكن من استخدام الأدوية والاستشارات التي تحدث فرقاً حقيقياً في وقت مبكر لمنع هذه النتائج القلبية الوعائية اللاحقة".
وبحلول عام 2022، كانت معدلات الوفيات في الولايات المتحدة الناجمة عن أمراض الدورة الدموية والتمثيل الغذائي أعلى بـ 1.63 و2.25 مرة على التوالي مقارنة بالدول الغنية الأخرى، وشكلت هذه الحالات معاً أكثر من نصف جميع الوفيات الزائدة. وأوضح شاه، الذي لم يشارك في البحث: "كل هذا يمثل تسلسلاً متصلاً مشتركاً للتمثيل الغذائي القلبي وليس أمراضاً منفصلة ومعزولة؛ أو بعبارة أخرى، كل من هذه الأشياء يؤثر على الآخر".
بينما شكلت أمراض الدورة الدموية والتمثيل الغذائي الحصة الأكبر من الوفيات الزائدة، كانت الفئة الأسرع نمواً هي "وفيات اليأس"، خاصة بين الرجال. في الولايات المتحدة، ارتفعت الوفيات الناجمة عن التسمم بالمخدرات والأسباب المرتبطة بالكحول والانتحار من مستويات مماثلة للدول النظيرة في 1999 إلى أكثر من 130,000 حالة وفاة زائدة في عام 2022 وحده. وكانت هذه الوفيات السبب الرئيسي لتوسيع فجوة الوفيات بين من تقل أعمارهم عن 45 عاماً.
وقال الدكتور خافيير خيمينيز، مدير الطب النفسي الاستشاري وطب الإدمان والألم المزمن في مركز "نورثويل لونغ آيلاند اليهودي الطبي": "مصطلح 'وفيات اليأس' هو مصطلح مظلي لعدد من العوامل السلوكية والنفسية والاجتماعية التي تدفع الأفراد إلى بعض السلوكيات غير الصحية واستراتيجيات التكيف غير السليمة التي لها عواقب صحية، بما في ذلك الموت". وأضاف: "يمكن أن يكون هذا نطاقاً من الأشياء؛ فقد يكون استخدام المواد المخدرة للهروب من واقعهم، أو سوء تغذية، أو قرارات اجتماعية سيئة، أو عدم طلب لرعاية الصحة العقلية، وربما الهروب من خلال مجموعة متنوعة من السلوكيات الأخرى التي تتراكم لاحقاً. وهذا يؤدي في النهاية إلى الوفاة، للأسف".
وقال خيمينيز أيضاً: "هذه الدراسة لافتة للنظر، وبصراحة، لست متفاجئاً بالنتائج؛ فمخاوف الصحة السلوكية التي لا تتم معالجتها تتراكم لدى الأفراد وتسهم في شريحة ضخمة من الوفيات عبر جرعات زائدة، وسلوكيات اندفاعية، وانتحار، وعنف، وحوادث".
شكلت الوفيات الناجمة عن أمراض التمثيل الغذائي القلبي ومن المخدرات والكحول والانتحار مجتمعةً حوالي 24% من الزيادة في الوفيات الزائدة خلال فترة الدراسة، ومعظم الارتفاع كان بين من تقل أعمارهم عن 44 عاماً.
أدت جائحة فيروس كورونا إلى ارتفاع حاد في الوفيات الزائدة في عامي 2020 و2021، حيث شكل فيروس كورونا حوالي 1 من كل 5 وفيات زائدة خلال تلك الفترة. ووجد الباحثون أن أسباباً أخرى ارتفعت أيضاً خلال الجائحة، بما في ذلك أمراض الدورة الدموية، وحالات التمثيل الغذائي، والتسمم بالمخدرات، والوفيات المرتبطة بالكحول والانتحار. واعتبروا أن هذا قد يعكس الاضطرابات في الرعاية الطبية، وتدهور الصحة العقلية، والضغوط الاجتماعية الأوسع، وفي بعض الحالات، سوء تصنيف الوفيات المرتبطة بكوفيد كأسباب أخرى.
وأشارت أحدث البيانات إلى أن الأمريكي المولود في عام 2024 يمكن أن يتوقع أن يعيش حتى سن 79 عاماً تقريباً في المتوسط، وهو أعلى مستوى على الإطلاق منذ بدء التتبع الوطني في عام 1900. لكن ذلك لا يزال يتأخر عنه في الدول النظيرة مثل سويسرا، حيث يبلغ متوسط العمر المتوقع حوالي 84 عاماً، واليابان، حيث يبلغ حوالي 85 عاماً.



