Daily Beirut

اخبار لبنان

الراعي يحذّر من التفريط بالأرض: ما نخسره اليوم قد لا يستطيع أبناؤنا استعادته غدًا… وحصر السلاح بيد الدولة شرط لقيام دولة عادلة

··قراءة 4 دقائق
الراعي يحذّر من التفريط بالأرض: ما نخسره اليوم قد لا يستطيع أبناؤنا استعادته غدًا… وحصر السلاح بيد الدولة شرط لقيام دولة عادلة
مشاركة

ترأس البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، صباح الأحد 25 تشرين الأول 2026، الذبيحة الإلهية في كنيسة مار جرجس في العاقورة، لمناسبة مئوية تطويب الإخوة المسابكيين الشهداء، بالتزامن مع عيد يسوع المسيح الملك، وألقى عظة حملت أبعادًا روحية ووطنية واجتماعية، شدّد فيها على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وضبط الحدود، وحماية الأرض، والحد من هجرة الشباب، ومعالجة الأزمات المعيشية، مؤكدًا أن الحضور المسيحي في لبنان والشرق هو مسؤولية ورسالة وشراكة في بناء المستقبل.

وكان الموكب البطريركي قد انطلق من بكركي عند الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة صباحًا، بمرافقة النائبين البطريركيين العامين المطران حنا علوان، والمطران الياس نصار، وأمين السر العام للبطريركية المارونية الأب فادي تابت، وأمين السر الخاص الخوري كاميليو مخايل، والمسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض. ووصل إلى العاقورة عند الساعة العاشرة وخمسين دقيقة، حيث كان في استقباله راعي أبرشية جبيل المارونية المطران ميشال عون، وكهنة الرعايا وحشد من المؤمنين، فيما رافقت الخيالة الموكب من مدخل البلدة إلى ساحة الكنيسة.

ترأس غبطته القداس بمشاركة المطرانين ميشال عون راعي ابرشية جبيل، والمطران انطوان نبيل عنداري راعي ابرشية جونية سابقا وكهنة الرعية. وبحضور لفيف من الاساقفة ومن كهنة المنطقة،

حضر القداس النائب سيمون ابي رميا ممثلا رئيس الجمهورية، والعميد متري النجار ممثلا قائد الجيش، والعميد ممثلا قائد الدرك والنواب زياد حواط وشوقي الدكاش وحضور سياسي وعسكري وفي بداية القداس رحب المطران عون بصاحب الغبطة، هو الذي كان راعيا لابرشية حبيل قبل انتخابه بطريركا، وللمحبة والمودة التي يحملها لاهالي العاقورة ،

وبعد قراءة الانحيل المقدس، ابرز ما جاء في عظة غبطته:

دولة واحدة وسلاح شرعي واحد

حذّر البطريرك الراعي من خطورة محاولات تهريب المتفجرات والأسلحة والمواد الممنوعة عبر الحدود، معتبرًا أن أي ثغرة في ضبطها قد تتحول إلى تهديد مباشر لأمن المواطنين واستقرار البلاد.

وأكد غبطته أن «حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية هو شرط أساسي لقيام دولة قادرة وعادلة، تتولى وحدها مسؤولية الأمن والسلم»، مشددًا على أنه لا يمكن مطالبة الدولة بتوفير الأمان، وفي الوقت نفسه القبول بتعدد المرجعيات الأمنية.

وأضاف أن الدولة التي يريدها اللبنانيون ليست دولة قوية على المواطن وضعيفة أمام الفوضى، بل دولة تحمي المواطن، وتضبط حدودها، وتطبّق القانون على الجميع، وتصون السيادة والحقوق من دون استثناء.

الأرض هوية ومستقبل... والهجرة تهديد للحضور المسيحي

وتناول البطريرك الراعي ظاهرة بيع الأراضي، محذرًا من التفريط بها والتسرع في بيعها، لأنها ليست مجرد ملكية عقارية، بل ذاكرة وجذور وهوية ومستقبل، مؤكدًا أن ما يخسره الأبناء اليوم قد لا تستطيع الأجيال المقبلة استعادته

وفي موضوع هجرة الشباب، دعا إلى بناء وطن يستطيع فيه الشاب أن يعمل ويؤسس عائلة ويجد مستقبلًا كريمًا، مستذكرًا تأكيد قداسة البابا لاون الرابع عشر ضرورة الحفاظ على الحضور المسيحي في الشرق، ومساندة المسيحيين للبقاء في أرضهم شهودًا للوحدة والسلام.

وشدد على أن هذا الحضور «ليس امتيازًا ولا انغلاقًا على الذات، بل مسؤولية ورسالة وشراكة في هذه الأرض وفي مستقبلها».

الجوع ليس جوع الخبز وحده... بل جوع إلى العمل والأمان والعدالة

وانطلاقًا من إنجيل الدينونة العامة «كنت جائعًا فأطعمتموني»، توقف البطريرك الراعي عند المعاناة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها اللبنانيون، في ظل ارتفاع كلفة الحياة وتراجع القدرة الشرائية وتضاؤل فرص العمل.

وتساءل عما يُقدَّم للعائلات العاجزة عن تأمين حاجاتها الأساسية، وللشباب الباحثين عن مستقبل، وللمواطن الذي تتراكم الأعباء على كاهله، محذرًا من أن يصبح المواطن وحده من يدفع ثمن الأزمات.

وأكد أن المسؤولية مشتركة بين الدولة والكنيسة والمؤسسات الخاصة والمجتمع المدني وأصحاب الإمكانات، داعيًا إلى التعاون لتأمين العلاج للمرضى، والتعليم للطلاب، والعمل للشباب، والحياة الكريمة للمسنين.

وشدد على أن «الجوع ليس جوعًا إلى الخبز وحده؛ هناك جوع إلى العمل، وإلى الأمان، وإلى العدالة، وإلى الشعور بأن الإنسان ليس متروكًا لوحده».

كما دعا إلى الإسراع في إعادة إعمار ما تهدّم، وتأمين عودة العائلات إلى بيوتها وقراها بكرامة وأمان، مؤكدًا أنه لا يجوز أن يتحول التهجير إلى واقع دائم، أو أن يُترك المواطن وحيدًا أمام الخراب والفقر والخوف.

المسابكيون: قداسة عاشت في قلب العالم وتُوّجت بالاستشهاد

وفي البعد الروحي للعظة، استعاد البطريرك الراعي سيرة القديسين الإخوة المسابكيين، فرنسيس وعبد المعطي ورفائيل، الذين تعود جذور عائلتهم إلى العاقورة، فيما ولدوا وعاشوا في دمشق، حيث استُشهدوا في العاشر من تموز سنة 1860، بعدما رفضوا إنكار إيمانهم بالمسيح.

وأشار إلى أنهم لم يكونوا رهبانًا أو كهنة، بل علمانيين عاشوا القداسة في العائلة والعمل والصلاة وخدمة المحتاجين، مؤكدًا أن قداستهم لم تبدأ ساعة الاستشهاد، بل كانت ثمرة أمانة يومية للمسيح

ولفت إلى أن الكنيسة أعلنت تطويبهم في العاشر من تشرين الأول سنة 1926، قبل أن تعلن قداستهم في العشرين من تشرين الأول سنة 2024.

وأكد أن المسيح الملك لا يقوم ملكوته على القوة والسلطان، بل على المحبة والرحمة وخدمة الإنسان، وأن الدينونة الأخيرة تكشف حقيقة الحياة التي عاشها الإنسان، وما صنعه من خير ومحبة تجاه الآخرين.

وفي ختام عظته، دعا غبطته إلى التمسك بحرية الإيمان، وصون كرامة الإنسان، ورفض العنف والتعصب، وإلى الثبات في الأرض ومواجهة الظلم والحاجة وتعزيز العدالة والأخوّة والعيش المشترك.

تكريس مذبح للإخوة المسابكيين وزياح الذخائر

وفي ختام الاحتفال، وُجّهت كلمة شكر إلى كاهن الرعية المونسنيور رزق الله أبي نصر، قبل أن ينتقل البطريرك الراعي إلى تكريس أحد مذابح كنيسة مار جرجس على اسم الإخوة المسابكيين الشهداء، تخليدًا لذكراهم وتجذيرًا لحضورهم الروحي في بلدتهم الأم.

واختُتم القداس بزياح ذخائر القديسين، وسط أجواء من الصلاة والخشوع.

وهكذا حملت مئوية تطويب الإخوة المسابكيين من العاقورة رسالة تتجاوز حدود الاحتفال الكنسي، لتؤكد أن الوفاء للشهداء يكون بالثبات في الإيمان والأرض، وبحماية كرامة الإنسان، وبناء دولة عادلة وقادرة، تحفظ سيادتها وحدودها، وتصون الحرية والتعددية والعيش المشترك، وتعيد إلى اللبنانيين الثقة بوطنهم ومستقبلهم.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة