Daily Beirut

متفرقات

تغير المناخ يقوض إنتاج الأجبان في فرنسا

تسببت موجات الحر القياسية وجفاف المراعي في فرنسا هذا الصيف في وقف إنتاج جبن «سالير» لدى أكثر من ثلاثة أرباع منتجيه البالغ عددهم ٨٠ منتجًا، وفق ما أكّده لوران لور، رئيس اللجنة المهنية المشتركة لأجبان «كانتال».

··قراءة 5 دقائق
تغير المناخ يقوض إنتاج الأجبان في فرنسا
مشاركة

سجل يوليو/تموز الماضي رقماً قياسياً جديداً في فرنسا، ليصبح أكثر الشهور حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام ١٩٠٠، وثالث أكثر الشهور جفافاً على الإطلاق، وفق هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الفرنسية. وقد أدّت هذه الظروف إلى إيقاف إنتاج جبن «سالير» هذا الصيف لدى أكثر من ثلاثة أرباع منتجيه الثمانين في البلاد.

تأثير الجفاف على إنتاج الحليب والجبن

تؤدي موجات الحر التاريخية إلى إجهاد شديد للأبقار التي ترعى عادةً في الهواء الطلق خلال فصل الصيف، بينما تسبب فترات الجفاف الطويلة جفاف المراعي الفرنسية وفقدانها خضرتها وحيويتها. ويضطر المزارعون في ظل لوائح صارمة لصناعة الجبن إلى شراء أعلاف إضافية لحيواناتهم. ويشير لوران لور، مزارع ألبان وصانع جبن منذ ٣٥ عاماً، إلى أن المشكلة التي كانت تظهر مرة كل ١٥ إلى ٢٠ عاماً باتت تتكرر كل عامين تقريباً، وهي تزداد سوءاً.

وتؤدي هذه الظروف إلى انخفاض إنتاج الأبقار من الحليب بنسبة ١٠٪، وولادة عدد أقل من العجول أو عجول أكثر ضعفاً، كما تفقد الأبقار نحو شهر من الرعي في الهواء الطلق بسبب موجات الجفاف المتكررة والممتدة. وبحسب لور، تراجع إنتاج جبن «سالير» من نحو ١٥٠٠ طن سنوياً في مطلع العقد الثاني من القرن الحالي إلى نحو ١٠٠٠ طن حالياً.

قيود إنتاج «سالير» وتحول بعض المنتجين إلى «كانتال»

يُنتج جبن «سالير» بصورة رئيسية في إقليم كانتال بمنطقة أوفيرني-رون-ألب، حيث ترعى الأبقار على ارتفاعات تتراوح بين ٨٠٠ و١٥٠٠ متر فوق سطح البحر في مراعٍ غنية بالأعشاب البرية. ويجب إنتاجه بين ١٥ أبريل/نيسان و١٥ نوفمبر/تشرين الثاني باستخدام حليب أبقار ترعى في المراعي وتعتمد أساساً على العشب، مع ألا تتجاوز المكملات الغذائية ٢٥٪ من المادة الجافة، وأن تكون التبن والقمح والشعير والشوفان والذرة من المنطقة نفسها.

وأجبر الجفاف لور على وقف إنتاج «سالير» في ٨ يوليو/تموز والتحول إلى إنتاج «كانتال»، وهو جبن شبه صلب يشبه «سالير» لكنه يخضع لقواعد أكثر مرونة: يمكن إنتاجه طوال العام، والسماح بنسبة أكبر من الحبوب والتبن والذرة في غذاء الأبقار، شرط رعيها ١٢٠ يوماً في السنة. ويعتقد لور أن المنتج الذي يحتوي على أقل من ٥٠٪ من العشب المزروع في المراعي لا «يستحق أن يحمل اسم سالير».

استثناءات مؤقتة من هيئة INAO وطلبات تغيير دائم

وفي الشهر الماضي، أعلن المعهد الوطني للمنشأ والجودة (INAO) تعديلات مؤقتة لبعض منتجي الجبن استجابةً لـ«الجفاف التاريخي» الذي شهدته فرنسا هذا الصيف. وحصل منتجو أجبان «بوفور» و«كومتي» و«أبوندانس»، بين أنواع أخرى، على استثناءات تسمح لهم بزيادة الأعلاف المقدمة للأبقار لتعويض نقص العشب، أو بجلب أعلاف إضافية من خارج المناطق المحددة بموجب علامة «AOP». ومن المتوقع أن تشمل هذه الاستثناءات أنواعاً أخرى من الأجبان.

أما منتجو جبن «سالير» فلم يتقدموا بطلب للحصول على إعفاء مؤقت. ويطالب منتجو بعض أجبان AOP منذ سنوات بتخفيف بعض اللوائح بصورة دائمة لمواجهة آثار تغير المناخ، سواء عبر تعديل فترة الرعي أو زيادة كمية التبن والأعلاف التكميلية أو السماح بجلب الأعلاف من خارج مناطق AOP. لكن تغيير هذه القواعد قد يستغرق سنوات.

دراسة INRAE عن تأثير النظام الغذائي على جودة الجبن

وتشير دراسة أجراها المعهد الوطني الفرنسي للبحوث في الزراعة والغذاء والبيئة (INRAE) العام الماضي إلى أن خفض متطلبات الرعي يؤثر على جودة الجبن ونكهته. وأطعم الباحثون أربع مجموعات من الأبقار أنظمة غذائية مختلفة لمدة أربعة أشهر لمحاكاة ظروف جفاف متنوعة، ثم استخدموا الحليب في صناعة جبن «كانتال» وقيّموه في المختبر ومن خلال لجنة من المستهلكين.

وأظهرت النتائج أن الجبن المصنوع من حليب أبقار يعتمد غذاؤها في الغالب على العشب كان أغنى ويحتوي على مستويات أعلى من أحماض أوميغا ٣، كما تفوق في المذاق والرائحة والنكهة والقوام. وذكر المعهد أن الجبن يكون أكثر طراوة واصفراراً وعطرية عندما تتغذى الأبقار على عشب المراعي، بينما يصبح أكثر بياضاً وصلابةً وأقل وضوحاً في مذاقه عندما تأكل الأبقار القليل من العشب أو لا تأكله إطلاقاً.

تداعيات اقتصادية واجتماعية على المنتجين

يضطر نقص العشب المزارعين إلى استخدام مخزون التبن المخصص لفصل الشتاء. ويقول لور إنه أنفق بالفعل نحو ٣٠ ألف يورو (٣٥ ألف دولار) على أعلاف إضافية هذا الصيف. ويضيف: «بعض المنتجين يفقدون حماسهم لأن الأمور تزداد تعقيداً. نحن نفقد حصتنا في السوق، ومن الصعب الاستمرار في العمل، لذلك أصبح الوضع صعباً».

كما اضطرت ستيفاني غارديس، منتجة جبن أخرى، بسبب الجفاف إلى التخلي عن إنتاج «سالير» في منتصف الصيف والتحول إلى «كانتال» الأقل ربحية، بعدما خسرت العام الماضي ٢٠ ألف يورو (٢٣٬٣٠٠ دولار) من الإيرادات بسبب ظروف مماثلة. وتوضح أن منتجي الجبن يحصلون على نحو ثلاثة يوروهات أقل لكل كيلوغرام من «كانتال» مقارنةً بـ«سالير»، رغم تساوي مقدار العمل المطلوب. وتوقف الإنتاج هذا الموسم في وقت أبكر من المعتاد، ومن المتوقع أن يكون هذا أسوأ عام مالي لها منذ أن بدأت العمل في صناعة الجبن قبل تسع سنوات.

أنواع أخرى من الجبن المتأثرة وتقلبات المناخ

ولا يعد «سالير» و«كانتال» النوعين الوحيدين المتأثرين بموجات الحر والجفاف المتكررة. فقد أبلغ منتجو أجبان AOP أخرى، مثل «روكفور» و«أبوندانس»، عن صعوبة الوفاء بمتطلبات الرعي. وتواجه منتجو «أبوندانس»، وهو جبن شبه صلب يُنتج في منطقة هوت سافوا جنوب شرق فرنسا، صعوبة في الوفاء بمتطلبات الرعي المرتبطة بالمنتج.

وتقول إيميلي جاكو إنها وزوجها وطفليهما يصطحبون أبقارهم الخمسين كل صيف إلى الجبال قرب آنسي، على ارتفاع نحو ١٥٠٠ متر، حيث ينقلون إنتاج جبن «أبوندانس» العضوي ويقيمون ثلاثة أشهر في كوخ العائلة. وتؤكد أن هذا العام كان الأول الذي لم يحتاجوا فيه إلى إشعال موقد الحطب للتدفئة. وفي الوادي، تشير إلى أن تغير المناخ أدى أيضاً إلى تقلبات حادة في درجات الحرارة، التي قد تتراوح في اليوم نفسه بين ٥- و٢٥ درجة مئوية.

عوامل أخرى تؤثر في جودة الجبن

ويوضح كريستيان جانييه، بائع جبن من الجيل الرابع في ليون، أن بعض المواسم تنتج أجبانًا أفضل من غيرها، كما هي الحال مع النبيذ، وأن جودة الجبن تتأثر بعوامل تتجاوز الحرارة والجفاف. فالأمطار الغزيرة، التي أصبحت أكثر شيوعاً مع تغير المناخ، قد تجعل العشب مشبعاً بالمياه، ما يؤدي إلى إنتاج حليب يحتوي على نسبة أقل من البروتين. وتنضج الأجبان المصنوعة منه بسرعة أكبر، وقد تكتسب روائح ونكهات نفاذة وغير مستحبة تشبه الأمونيا.

ويشير جانييه، وهو واحد من سبعة فقط من بائعي الجبن في فرنسا الحاصلين على لقب «أفضل حرفيي فرنسا» (MOF)، إلى أن الإنتاج الصناعي واسع النطاق ساهم على مر السنين في «توحيد» الأجبان الفرنسية. ومع استمرار تأثير تغير المناخ في القطاع، يرى أن علامة AOP تظل من أكثر الطرق موثوقية للتعرف على الجبن عالي الجودة. ويقول: «بمجرد أن ترى ختم AOP على قطعة جبن، تعرف أنها اجتازت مجموعة من الاختبارات المتعلقة بالقوام والرائحة والنكهة».

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة