متفرقات

السفر عبر الزمن، ذلك الحلم الذي لطالما غذّى خيال البشر منذ عقود طويلة، من روايات الخيال العلمي إلى أفلام هوليوود، بات اليوم موضوعاً يثير فضول العلماء ويشغل مساحة متزايدة من الأبحاث العلمية. ومع التقدم الهائل في التكنولوجيا والفيزياء النظرية، يتساءل كثيرون: هل يمكن أن يصبح السفر عبر الزمن حقيقة علمية في المستقبل، أم سيبقى مجرد أسطورة ترويها القصص؟
من الناحية العلمية، لا يزال الأمر محل جدل واسع. نظرية النسبية العامة التي وضعها ألبرت أينشتاين قبل أكثر من قرن فتحت الباب أمام إمكانية النظر إلى الزمن كبُعد رابع يمكن التلاعب به في ظروف معينة. فحسب النظرية، الجاذبية القوية والسرعات القريبة من سرعة الضوء قد تؤدي إلى ما يُعرف بـ"تمدد الزمن"، أي أن مرور الوقت لا يكون متساوياً عند جميع المراقبين. هذا المفهوم أثبتته التجارب بشكل محدود، مثل تلك التي أُجريت باستخدام ساعات ذرية فائقة الدقة على متن الطائرات والأقمار الصناعية.

لكن الانتقال من هذه التجارب الصغيرة إلى السفر الفعلي عبر الماضي أو المستقبل، يتطلب ما هو أبعد بكثير من مجرد معادلات رياضية. هنا يظهر دور ما يسمى بالثقوب الدودية، وهي ممرات نظرية في نسيج الزمكان يمكن أن تعمل كجسر يربط نقطتين مختلفتين في المكان والزمان. بعض الباحثين، مثل البروفيسور كيب ثورن الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، أكدوا أن هذه الفكرة قد تكون ممكنة نظرياً، لكن تنفيذها عملياً يحتاج إلى طاقة هائلة ومواد غريبة لم نتمكن بعد من إنتاجها.
بحسب استطلاع أجرته مجلة Scientific American عام 2022، فإن نحو 39% من العلماء يعتقدون أن السفر عبر الزمن إلى المستقبل قد يكون ممكناً يوماً ما بفضل تطور التكنولوجيا، بينما تقل النسبة بشكل ملحوظ إلى 10% فقط عندما يتعلق الأمر بالعودة إلى الماضي، وهو ما يعتبر أكثر تعقيداً وربما مستحيلاً من الناحية الفيزيائية.
إلى جانب الفيزياء النظرية، ظهرت مقاربات أخرى مرتبطة بالحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي. بعض الباحثين يقترحون أن محاكاة أكوان موازية على حواسيب كمّية قد تمثل شكلاً من أشكال "السفر الزمني الافتراضي"، حيث يمكن دراسة سيناريوهات بديلة للتاريخ أو حتى التنبؤ بمستقبل محتمل بدقة مذهلة. وفي دراسة لجامعة أكسفورد عام 2023، أشار 27% من الباحثين إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يلعب دوراً محورياً في فهم طبيعة الزمن نفسه خلال العقود القادمة.
غير أن أصواتاً متشائمة ترى أن كل هذه الطموحات قد تصطدم بحدود صارمة لقوانين الفيزياء. فالعالم الشهير ستيفن هوكينغ، قبل رحيله، صرّح مراراً أن السفر إلى الماضي غير ممكن لأنه قد يخلق مفارقات زمنية خطيرة، مثل "مفارقة الجد" التي تفترض إمكانية أن يمنع المسافر عبر الزمن وجود نفسه. ومع ذلك، لم يستبعد هوكينغ بشكل كامل إمكانية السفر إلى المستقبل، مستنداً إلى تمدد الزمن عند سرعات فائقة أو قرب الثقوب السوداء.
في الجانب التكنولوجي، يرى الخبراء أن التقدم المتسارع في تقنيات الطاقة النووية والهندسة الكمية قد يقربنا من بناء نماذج تجريبية في هذا المجال. ومع أن الأمر لا يزال بعيد المنال، إلا أن التاريخ أثبت أن ما كان يُعتبر خيالاً قبل قرن أصبح واقعاً اليوم، من الهواتف الذكية إلى استكشاف المريخ.
التساؤل الأكبر هو: متى يمكن أن يحدث ذلك؟ لا توجد إجابة دقيقة، لكن بعض التقديرات تضع الأمر في إطار مئات السنين على الأقل، بينما يرى آخرون أن الإنسانية قد لا تصل أبداً إلى هذه المرحلة. ووفق دراسة أجرتها وكالة الفضاء الأوروبية عام 2024، فإن 18% فقط من العلماء العاملين في مجالات الفيزياء الفلكية يعتقدون أن السفر عبر الزمن قد يصبح ممكناً قبل نهاية القرن الحادي والعشرين.
مع كل هذه الرؤى المتناقضة، يبقى السفر عبر الزمن موضوعاً يجمع بين العلم والخيال، بين الأمل والحدود الصارمة للفيزياء. وإذا كان المستقبل يحمل مفاجآت، فقد تكون التكنولوجيا هي المفتاح الذي يفتح لنا أبواباً لم نتخيلها من قبل. وحتى ذلك الحين، سيظل السفر عبر الزمن مادة خصبة للأحلام والنقاشات والبحوث العلمية، وربما أيضاً للخيال السينمائي الذي يستبق دائماً أحلام العلماء.
تكنولوجيا وعلوم
تكنولوجيا وعلوم
اخبار لبنان
لايف ستايل