مقالات

منذ تلقّي لبنان نصيبه من حقوق السحب الخاصّة التي وزّعها صندوق النقد الدولي، في شهر أيلول من العام الماضي، أي قبل نحو سنة وربع السنة، خيّم الغموض المطلق على هذه الأموال. لم يتضح لأحد وجهة الإنفاق المُخطط لها، ولا رصيدها الفعلي في أي شهر من الأشهر، ولا حتّى كيفيّة قيدها داخل ميزانيّة مصرف لبنان، الذي تم إيداعه هذا المبلغ بوصفه "مصرف الدولة". بل في واقع الأمر، كان هناك العديد من التحليلات التي تخشى أن يكون المصرف المركزي قد دمج هذه الأموال مع الاحتياطات المتبقية لديه، مقابل قيد "التزام" لمصلحة الدولة اللبنانيّة، يمكن سدادها لاحقًا بسعر صرف ما، من تلك الأسعار التي يختارها بشكل اعتباطي حاكم المصرف.
المتبقي نصف مليار
يوم أمس، تلقّى النوّاب نسخة عن كشف حساب كامل، صادر عن وزارة الماليّة، يوضح الرصيد الأساسي والرصيد المتبقي لهذه الأموال، مع وجهة إنفاق المبالغ التي خرجت من هذا الحساب منذ العام 2021. ما يُطمئن في هذا الكشف، رغم تأخّر الإفصاح عنه، هو أن وزارة الماليّة فتحت بالفعل حساباً مستقلاً وخاصاً لأموال حقوق السحب، بما يسمح بإنفاقها كدولارات طازجة، وبما يميّزها عن سائر الحسابات والعمليّات المتبادلة بين المصرف المركزي ووزارة الماليّة. وبدا واضحًا أن جميع النفقات المُشار إليها في الكشف ترتبط بدفعات مدولرة، جرى تسديدها بالعملة الصعبة، ما يُؤكّد أن أي من هذه الدولارات لم تُرد من المصرف المركزي للدولة بالليرة، وبسعر صرف ينتقص من قيمتها الفعليّة.
في خلاصة الكشف يمكن تأكيد التالي: الرصيد الذي تلقاه لبنان من صندوق النقد بلغ حدود 1,139,951,437 دولاراً أميركياً (1.14 مليار دولار)، أنفقت منه وزارة الماليّة حتّى اليوم 636,100,565 دولار أميركي (636.1 مليون دولار)، فيما تبقّى من هذه الأموال حتّى اليوم 503,850,872 دولار (أي قرابة النصف مليار دولار). وبدا واضحًا من الكشف أنّ وزراة الماليّة لم تبدأ بالإنفاق من هذا الحساب إلا في شهر نيسان الماضي، رغم الإعلان عن تخصيصها في منتصف شهر أيلول من العام السابق، ما يشير إلى أنّ الدولة اللبنانيّة لم تستكمل إجراءات تلقي المبلغ إلا بعد نحو ثمانية أشهر من الإعلان عن تخصيصه.
وجهات إنفاق المبلغ
فصّل كشف الحساب الذي وزّعته وزارة الماليّة الدفعات التي جرى تخصيصها لكل باب من أبواب الإنفاق، والتي يمكن تلخيصها على النحو التالي:
إنفاق عشوائي
حسم كشف الحساب إذًا السجال والتشكيك حول مصير هذه الأموال، فأكّد أنّ الأموال ما زالت تُنفق لمصلحة الدولة اللبنانيّة حصرًا، ولم يختلط مآلها بكتلة الخسائر الموجودة حاليًّا داخل مصرف لبنان. إلا أنّ الأكيد أيضًا هو أنّ إنفاق هذا المبلغ ما زال محكومًا بعشوائيّة مخيفة، نتيجة غياب تخطيط مالي متوازن يحدد أولويّات إنفاق الدولة اللبنانيّة في المرحلة الراهنة، وبما يتكامل مع أهدافها الاقتصاديّة وخطّة التعافي التي تعمل عليها. لا بل تكمن المفارقة في أن إنفاق المبالغ خلال العام الراهن لم يحتكم حتّى إلى موازنة متكاملة، ترصد الاعتمادات اللازمة لكل باب من أبواب الإنفاق.
أخيرًا، وبوتيرة الإنفاق هذه، من غير المتوقّع أن يكفي الرصيد المتبقي في هذا الحساب لأكثر من منتصف العام المقبل، ما سيحرم الدولة اللبنانيّة من السيولة الكافية للإنفاق على الحاجات الأكثر إلحاحًا. وحتّى ذلك الوقت، من المفترض أن تكون قد أنجزت الدولة –بالتفاهم مع مصرف لبنان- رؤية ما لتوحيد أسعار الصرف، بما يسمح لها بشراء العملة الصعبة من مصرف لبنان بحسب سعر الصرف الموحّد، ومن مردود الضرائب بعد تصحيح سعر الصرف المعتمد لاستيفائها.
علي نور الدين - المدن



