مقالات

قد تكون الدلالة الأكبر على عدم توافر الإرادة السياسية لإجراء الانتخابات البلدية في موعدها، هي استثناء مشروع الموازنة كما ورد من الحكومة، من أي بند يتحدث عن تمويل الانتخابات.
هكذا، بكل بساطة، "تستقيل" السلطة التنفيذية من مسؤولياتها مرة ثانية، لا بل مرة ثالثة، في احترام مواعيد الاستحقاقات الانتخابية.
وقد تبدو لافتة، الأصوات التي تعلو بين الحين والآخر، مطالبة بإجراء الانتخابات في موعدها، تحسباً لأي تمديد قد تسلكه السلطتان التنفيذية والتشريعية "بالتكافل والتضامن". آخر هذه الاصوات ما عبّر عنه رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، مطالباً بإجراء الانتخابات في موعدها.
وقد لا يبدو غريباً ما صرّح به قبل فترة وزير الداخلية بسام مولوي من أنه مستعد كوزارة، لإجراء الانتخابات، وأنه ماضٍ في هذا الإجراء، إلا إذا قرر مجلس النواب عكس ذلك. فهل هذا يعني أن ثمة "باباً" سيُفتح في اللحظة الاخيرة للتمديد مجدداً؟
ينطلق رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب "القوات اللبنانية" شارل جبور من مبدأ واضح يقول: "الانتخابات هي استحقاق دستوري، والاستحقاقات يجب أن تجرى في مواعيدها. ومن غير المقبول هذا الاسلوب وهذه الطريقة بهذا التمديد المتواصل الذي يشكل مخالفة دستورية وضرباً لأسس الاستحقاقات الدستورية والديموقراطية. وهذا أمر مرفوض من حيث المبدأ، رفضاً باتاً".
كان عام 2016 العام الأخير الذي جرت فيه انتخابات بلدية واختيارية لولاية كاملة من ست سنوات. كان يُفترض أن تنتهي تلك الولاية في أيار 2022… ومنذئذٍ، بدأت تكرّ سبحة التمديد. التمديد الأول كان لسنة كاملة انتهى في أيار 2023… وبعدها، أقر التمديد الثاني لسنة جديدة كاملة، يُفترض أن تنتهي في أيار 2024…
تعلق المديرة التنفيذية لـ"الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات" ديانا البابا: "نعيش استخفافاً باحترام المهل، ولا سيما بالنسبة للانتخابات النيابية أو البلدية".
انهيار وحرب
في المبدأ، لا بل وفق القانون، ينبغي أن تجرى الانتخابات في أيار 2024. لكن ثمة من يتحجّج بالأوضاع العسكرية في المناطق الجنوبية، وأن البلاد في حالة حرب وعدم استقرار، فهل ستكون حجة الجنوب هذ المرة هي "الحجة المعتمدة"؟
يرفض جبور هذا المنطق. ويقول لـ"النهار": "نعم، هناك حرب، وهذه الحرب يقوم بها "حزب الله"، ولكن بالإمكان استثناء البلديات التي تشهد أجواءً عسكرية، والذهاب الى إجراء الانتخابات في كل لبنان. وعندما تنتهي الأعمال العسكرية هناك، يصار الى إجراء الانتخابات في تلك المناطق. من جهتنا، لن نسكت ولن نقبل بالتمديد مجدداً".
إذن ما العمل؟ أو ما هي طرق المواجهة؟
يذكّر جبور بأن "التمديد للبلديات حصل والقوات كانت ضده ورفضت التمديد وكانت رأس حربة. اليوم، ستكون كذلك، مع إجراء الانتخابات، وستخوض من خلال كتلتها والحلفاء والمعارضة، ومن خلال الحزب، المعركة من أجل إجراء الانتخابات لأن من غير المسموح التمديد بعد للمجالس البلدية والاختيارية".
ويلفت الى أنه "بعد كل هذه الفترة الطويلة من التمديد، ثمة بلديات منحلة، وإما غير قائمة وتابعة للقائمقامية، وإما غير فاعلة وغير منتجة وبحكم المشلولة، فيما المطلوب تجديد النخب في هذه المجالس، من أجل إدارة جيدة، أقله في الحيز المحلي، وسط الانهيار الكبير والغياب الواضح للسلطة المركزية الفاعلة".
ويستدرك: "الانتخابات حاجة ومصلحة وطنية، ولا يجوز التمديد ثالثاً".
لكن عملياً، هل من عوامل تساعد على إجراء الانتخابات البلدية في موعدها؟
لم تلمس البابا أي ضغط من النواب في هذا المجال، وتقول لـ"النهار": " الواقع الذي نعيشه اليوم يُفترض أن يكون الضاغط الاكبر لإجراء الانتخابات. نحن كجمعية ليس أمامنا سوى الإصرار على إجراء الانتخابات اليوم قبل الغد. لا يجوز استسهال الأمرعلى هذا النحو"، وترى أن "من العوامل المساعدة ضرورة خلق وعي أكبر عند الرأي العام للسير باتجاه الانتخابات البلدية سريعاً. حتى رؤساء البلديات أنفسهم ينبغي أن يساعدونا في هذا الاتجاه. وحتى الآن، لم نلمس جدية كبيرة من مختلف الكتل النيابية للضغط معنا".
في التمديد الأول، ردّ القانون الذي أقرّه مجلس النواب في 30 آذار2022، سبب عدم إجراء الانتخابات البلدية الى "عدم الجهوزية المادية والبشرية"، وتزامنها مع الانتخابات النيابية. يومها، لم تلتزم الحكومة ومجلس النواب معاً عدم تأجيل الانتخابات البلدية، بل تجاوزت الحكومة بيانها الوزاري ومدّدت للبلديات، ومن فعلها في المرة الأولى فعلها ثانية!
وما يشير الى خطورة الواقع، وعدم إمكان استسهال التمديد البلدي للمرة الثالثة، هو واقع البلديات المتعثرة، إذ إن هذه الأخيرة لا ينطبق عليها واقع البلديات المنحلة ولا طبعاً صفة البلدية الكاملة، بمعنى أنها ما بين الحالتين، لا يمكن أن تكمل نشاطها كالمعتاد خلال التمديد للمجالس البلدية، ولا يمكن أن تنتقل صلاحياتها الى القائمقام، لكونها قانوناً، غير منحلة.
… يبقى أن 5 نيسان المقبل هو المهلة الأخيرة أمام وزارة الداخلية لدعوة الهيئات الناخبة، فهل ستكون "الثالثة ثابتة" في التمديد أم في إجراء الاستحقاق؟!
منال شعيا - النهار



