مقالات
لا تعبئة عامّة ولا حجر منزلي بمستطاع فقراء طرابلس. يتبيّن أنّ التزامهما ضرب من الاستحالة، أمام إلحاح تأمين خبزهم اليومي، هذا في حال توفّر. حكومة تسلك آليات تقليدية وبطيئة لاحتواء الجوع، فيما تظهر مبادرات بلديّة ومحليّة لتوزيع الحصص الغذائيّة، تبقى هزيلة أمام تخفيف وطأة الفقر الذي ينافس "كورونا" في توسّعه.
هلع الجوع لا المرض
الحجر المنزلي يعني حجراً على المداخيل. مصالح تعطّلت ودورة اقتصاديّة توقّفت لدى المياومين والعمّال، تبحث اليوم عن متنفس في أسواق التّبانة والرّفاعيّة الشّعبيّة حيث يتزاحم النّاس، منذ ساعات الصباح الأولى، لبيع وشراء أساسيّات الطّعام. في هذه الممرّات الضيقة والضائقة ذرعاً باحتراز المسافة الآمنة، فقراء "عاصمة لبنان الثانية" التي لم يخدمها لقبها بامتياز واحد، تورّطوا في خيارين لا ثالث لهما: الجوع أو كورونا. لا يسلم هؤلاء المواطنون من ألسنة شتّامة وشامتة على مواقع التّواصل الاجتماعي، تتنمّر على فقرهم وما يصفونه بـ"التخلّف" الّذي جعلهم يخرقون الحظر ويعودون إلى أسواقهم.
هذه "الانتحاريّة" الموصوفة لم تتبدّل لدى موظّفين وأبناء الطّبقة المتوسّطة الّتي تشهد وتشاهد تأكّلها غير المسبوق. ها هم أوّل الشّهر، يحتشدون أمام الصرّافات الآليّة (ATM) من دون أي إجراء وقائي، إلى أن انتشر اليوم عناصر من سرية طرابلس لمنعهم من التجمهر أمام الصرافات، وباعدوا بينهم. هنا، "الهلع" الذي لازم أدبيات الجائحة، يطغى عليه "هلع" الموت جوعاً، أو "هلع" احتجاز المعاشات الّذي لا يستبعده اللّبنانيّون بعدما احتجزت المصارف مدخراتهم.
المصدر: جودي الأسمر - النهار