آخر المستجدات

على مدار التاريخ، كانت السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة أحد العوامل الرئيسية التي تحدد تفوق الدول الكبرى. ومع بداية القرن الحادي والعشرين، ظهرت تكنولوجيا الكم كواحدة من أكثر المجالات تقدمًا وتطورًا في عالم العلوم. وبينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بتفوقها التكنولوجي لعقود، فإن الصين قد بدأت في تحقيق تقدم مذهل في هذا المجال، مما أثار قلق الولايات المتحدة ودفعها لاتخاذ إجراءات حازمة للحفاظ على مكانتها.
في عام 2017، بدأ الصينيون ببناء برنامج سري في مدينة خفي، عاصمة مقاطعة آنهوي في شرق الصين. وظل هذا البرنامج محاطًا بالسرية لمدة ثلاث سنوات حتى نهاية أكتوبر 2020، عندما أعلن الصينيون عن الخطة ضمن خطتهم الخمسية الرابعة عشرة للبلاد خلال اجتماع اللجنة المركزية التاسعة عشرة للحزب الشيوعي الحاكم. وقد حدد الصينيون سبعة مجالات رئيسية في العلوم والتكنولوجيا كأولوية، وكان أحدها يعتمد على البرنامج السري الذي كانوا يعملون عليه، والذي عرف لاحقًا باسم برنامج الكم الوطني الصيني.
بدأت الصين العمل على برنامج الكم الوطني في منشأة أبحاث كمية ضخمة في مدينة خفي، والتي أصبحت المقر الرئيسي للبرنامج. هذا البرنامج صدم الأمريكيين والأوروبيين بالتقدم الصيني في تكنولوجيا الكم خلال هذه الفترة. التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ ببعض كبار علماء فيزياء الكم في الصين وأخبرهم بأن البرنامج جزء من الاستراتيجية الوطنية للبلاد، مشبهًا البحث في المجال الكمي بلعبة اللوحة الصينية Go، حيث يمكن لقطعة معينة أن تكون غير مهمة في البداية ولكنها تساعد في تحقيق النصر في النهاية.
تكنولوجيا الكم هي مجال معقد من الفيزياء يستكشف سلوك الجسيمات الأصغر من الذرات، والتي هي اللبنات الأساسية لجميع المواد. تعتمد هذه التكنولوجيا على مبادئ ميكانيكا الكم مثل التراكب والتشابك لتطوير أجهزة قوية بقدرات مذهلة. وهناك ثلاثة مجالات رئيسية لتطبيقات تكنولوجيا الكم: الحوسبة الكمومية، والاستشعار الكمي، والإنترنت الكمي.
الحوسبة الكمومية تختلف تمامًا عن أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية التي نعتمد عليها منذ عقود. تعتمد الأجهزة التقليدية على البتات التي تمثل إحدى القيمتين الثنائيتين، إما صفر أو واحد، بينما تعتمد الحوسبة الكمومية على الكيوبتات التي تتكون من ذرات وجسيمات دون ذرية. الكيوبتات لديها المرونة في تمثيل الصفر والأول في الوقت نفسه، مما يسمح بمعالجة العديد من العمليات الحسابية في نفس الوقت.
على سبيل المثال، إذا كانت أقوى حاسوب في العالم اليوم يستغرق آلاف السنين لحل مهمة معقدة، فإن الكمبيوتر الكمومي يمكنه حلها في بضع دقائق فقط. في عام 2019، أعلنت شركة جوجل عن تطوير كمبيوتر كمومي يسمى "سيكامور" والذي يمكنه حل مشكلة محددة في 200 ثانية، وهي مشكلة كان يُعتقد أنها تحتاج إلى 10,000 سنة للحل باستخدام أفضل الحواسيب التقليدية.
الاستشعار الكمي هو تقنية يمكنها اكتشاف أو قياس الاضطرابات الجسدية بحساسية ودقة غير مسبوقة. تشمل التطبيقات أجهزة استشعار كمية محمولة جواً يمكنها اكتشاف غواصة مختبئة على عمق مئات الآلاف من الكيلومترات في قاع المحيط، أو أجهزة توجيه يمكنها العمل بشكل مستقل لعدة أشهر دون إشارة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). على سبيل المثال، أجهزة قياس التداخل الكمومية قادرة على كشف التغيرات الدقيقة في الجاذبية، مما يجعلها مثالية لتطبيقات مثل التنقيب عن المعادن والموارد الطبيعية الأخرى.
الإنترنت الكمي هو تقنية تعتمد على استخدام الجسيمات المتشابكة لنقل الرسائل، مما يجعل الاتصالات آمنة للغاية ويمنع التنصت. أي محاولة لاختراق الرسائل ستسبب تغيرات في الجزيئات، مما ينبه المستخدمين على الفور. في يوليو 2020، تمكن العلماء الصينيون من إرسال معلومات بين محطتين على بعد 1,200 كيلومتر باستخدام تشابك الجسيمات، وهو إنجاز يعد خطوة كبيرة نحو بناء شبكة إنترنت كمي عالمية.
تحمل أجهزة الكمبيوتر الكمومية العديد من الفوائد المحتملة، ولكنها تحمل أيضًا مخاطرها الخاصة.
منذ عام 2017، حققت الصين نجاحًا مذهلاً في تكنولوجيا الكم. لم يكن التقدم محدودًا في المنشأة الضخمة في مدينة خفي فقط، بل أطلقوا أيضًا قمرًا صناعيًا كموميًا يدعى "ميسيوس" في عام 2016. أصبح هذا القمر جزءًا من شبكة الصين الكمومية التي تربط بين بكين وشنغهاي وأماكن أخرى عبر شبكة الإنترنت الكمومية. في مايو 2021، نشر الباحثون الصينيون في مجلة Nature تقريرًا عن أول اتصال فيديو كمي غير قابل للاختراق في العالم، مما جعل الأمريكيين في موقف صعب للغاية.
نتيجة للتهديد الصيني المتزايد، وقع الرئيس الأمريكي جو بايدن قانون مبادرة الكم الوطني في ديسمبر 2018، مخصصًا أكثر من 1.2 مليار دولار أمريكي لأبحاث الكم على مدى خمس سنوات، بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية والصناعية. ورغم الجهود الأمريكية، إلا أن التقدم الهائل الذي حققته الصين أثار قلق السياسيين والمحللين في الولايات المتحدة. نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في عام 2020 تقريرًا يعبر عن مخاوف الجيش الأمريكي من الاستخدامات العسكرية للتكنولوجيا الكمومية الصينية، محذرًا من أن قدرة الصين على تجاوز الولايات المتحدة في هذا المجال يمكن أن تكون لها آثار خطيرة على الأمن القومي الأمريكي.
في يناير 2023، نشرت مجموعة أبحاث أمريكية تقريرًا خطيرًا يكشف أن مجموعة قرصنة صينية تسمى APT10 نفذت اختراقات كبيرة في شبكات شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى، بما في ذلك Microsoft وIBM. وأفاد التقرير بأن هذه المجموعة مدعومة من الحكومة الصينية، وأن هذا الاختراق الكبير سمح للصين بسرقة الأسرار التجارية ونقل التكنولوجيا الأمريكية إلى الصين، مما أدى إلى تقدم الصين في أبحاث الكم والذكاء الاصطناعي.
التقدم الصيني في تكنولوجيا الكم ليس مجرد تهديد نظري، بل له تطبيقات عملية يمكن أن تغير موازين القوى العالمية. على سبيل المثال، في عام 2020، أعلنت شركة هواوي الصينية عن تطوير جهاز استشعار كمومي يمكنه تحسين دقة تحديد المواقع داخل المباني، مما يجعل نظام تحديد المواقع أكثر دقة في الأماكن التي لا تصل إليها إشارات الأقمار الصناعية. هذا النوع من التقدم يمكن أن يكون له تأثير كبير على صناعات مثل النقل والخدمات اللوجستية.
إذا استمرت الصين في تحقيق التقدم في مجال تكنولوجيا الكم، فقد تواجه الولايات المتحدة تحديات كبيرة للحفاظ على تفوقها التكنولوجي. حذرت دراسة نشرتها جامعة جورج تاون في فبراير الماضي من أن أمريكا قد تخسر تفوقها التكنولوجي لصالح الصين في العقد القادم، وهذا سيكون له آثار خطيرة على الاقتصاد الأمريكي. وفي مايو 2023، اجتمع قادة الكونغرس الأمريكي، بما في ذلك رئيس مجلس النواب، لإصدار بيان يعربون فيه عن قلقهم من التهديد الصيني المتزايد، مؤكدين أن الحكومة الأمريكية يجب أن تزيد من استثماراتها في أبحاث الكم والتكنولوجيا.
التفوق الصيني في تكنولوجيا الكم يمثل تحديًا كبيرًا للولايات المتحدة والعالم بأسره. التكنولوجيا الكمومية يمكن أن تحدث ثورة في العديد من المجالات، من الحوسبة إلى الاستشعار والاتصالات. إذا تمكنت الصين من الحفاظ على تقدمها في هذا المجال، فقد يتغير ميزان القوى العالمي بشكل جذري في العقود القادمة. السباق الكمومي ليس مجرد تنافس بين دولتين على التكنولوجيا، بل هو سباق على المستقبل والسيطرة على القطاعات الحيوية التي ستحدد شكل العالم في المستقبل.
مع تطور التكنولوجيا الكمومية بسرعة مذهلة، يجب على الدول الأخرى أن تدرك أهمية الاستثمار في هذا المجال ومواكبة التقدم لتحقيق الاستقرار والأمن في عالم يتغير بسرعة. سباق الكم بين الصين والولايات المتحدة ليس مجرد تنافس تقني، بل هو معركة على الهيمنة العالمية في القرن الحادي والعشرين.
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى عدم نسخ ما يزيد عن 20 في المئة من مضمون الخبر مع ذكر اسم موقع Dailybeirut وارفاقه برابط الخبر.
دايلي بيروت



