اقتصاد
الصين وصلت لمكانتها الحالية كثاني أكبر اقتصاد في العالم بفضل قدراتها التصنيعية الهائلة، التي تتيح لها إنتاج وتصنيع أي سلعة بسرعة وبتكلفة منخفضة.

هذا الأمر جعل العالم يعتمد على الصين في التصنيع على حساب الإنتاج المحلي. الصينيون قادرون على تلبية الطلبات وتصنيع وتصدير البضائع لأي مكان في العالم بسرعة قياسية. في عام 2023، شحنت الصين بضائع بقيمة تقترب من 3.4 تريليون دولار، وتطمح لزيادة هذه الأرقام في 2024. ولكن الأمر لا يقتصر على التصنيع فقط، فهناك خطوة مهمة أخرى وهي الشحن.
في الوقت الحالي، تواجه الصين مشكلة مشابهة لأزمة كورونا، وهي تكدس البضائع في الموانئ وازدحام السفن على الأرصفة. شركات الشحن تقول: "لا توجد حاويات كافية لنقل البضائع". هذه الأزمة أدت إلى رفع أسعار الشحن العالمية لمستويات قياسية.
في عام 2023، قررت هيئة قناة بنما تخفيض عدد السفن التي تعبر القناة يوميًا بسبب الجفاف وتراجع منسوب المياه. في الأحوال الطبيعية، قناة بنما تسمح بمرور 36-38 سفينة يوميًا، لكن في فبراير 2024، كانت القناة تعمل بنصف طاقتها تقريبًا. انخفاض عدد السفن المسموح لها بالعبور زاد من مدة انتظار السفن أمام القناة، بالإضافة إلى تقليل حجم الغاطس المسموح به للسفن.
بعض السفن اضطرت لتخفيف حمولتها لتقلل حجم الغاطس وتتمكن من عبور القناة، مما أدى إلى تعطيل إضافي. في ظل هذه الظروف، بدأت شركات الشحن في البحث عن طرق بديلة تتجاوز قناة بنما، وأهمها طريق رأس الرجاء الصالح أو المرور عبر قناة السويس.
ولكن الطرق البديلة مثل رأس الرجاء الصالح أطول وتستغرق وقتًا أكبر. سفينة حاويات تتحرك من ميناء شنزن في جنوب الصين إلى ميناء روتردام في جنوب هولندا تستغرق 31 يومًا عبر قناة السويس، بينما تستغرق 41 يومًا عبر رأس الرجاء الصالح. هذا الفارق يؤدي إلى تأخر في تسليم البضائع وارتفاع تكلفة الشحن.
المشكلة تعقّدت أكثر مع الاضطرابات في البحر الأحمر وباب المندب بسبب هجمات الحوثيين، مما زاد من الضغط على ممرات الشحن ورفع أسعار الشحن. الوضع تفاقم بعد اشتباكات التحالف بقيادة الولايات المتحدة مع الحوثيين، وتحول البحر الأحمر إلى منطقة حرب رسمية. هذه الاضطرابات أثرت على 90% من نشاط شحن الحاويات عبر قناة السويس، مما أجبر شركات الشحن على الاعتماد بشكل أكبر على طريق رأس الرجاء الصالح.
الازدحام في الموانئ العالمية مثل موانئ غرب المتوسط زاد من مشاكل الشحن، وتسبب في تكدس السفن وزيادة مدة انتظارها قبل التفريغ أو التحميل. السفن أصبحت تصل الموانئ الآسيوية في مواعيد عشوائية، وشركات الشحن تضطر للإبحار بسرعة بعد التفريغ لتلتزم بالمواعيد، مما أدى لنقص الحاويات الفارغة.
تكدس الحاويات الفارغة في موانئ غرب المتوسط وعدم توفرها في الموانئ الآسيوية زاد من أزمة الشحن ورفع أسعار الحاويات. الأزمات هذه حصلت قبل موسم الشحن الطبيعي في الربع الثالث من السنة، بسبب موسم الأعياد والعودة للمدارس، مما زاد من الإقبال على الشحن من الربع الثاني.
التأخير في وصول المنتجات زاد من ازدحام الموانئ وفاقم أزمة الحاويات ورفع أسعار الشحن وأسعار المنتجات. الدول النامية تعد من أكبر المتضررين لأن الدول الغنية لديها قدرة أكبر على دفع أسعار أعلى في الشحن.
ارتفاع أسعار السلع في أمريكا يؤثر على الدول النامية المثقلة بالديون، وارتفاع التضخم هناك يعني أن الفيدرالي الأمريكي سيستمر في رفع أسعار الفائدة لمدة أطول، مما يزيد من تكلفة خدمة الديون على الدول النامية.
السؤال الآن هو: إلى متى ستستمر هذه الأزمة؟ وماذا سيحدث لأسعار الشحن وأسعار السلع خلال الأشهر القادمة؟ الأمور تبدو غير واضحة، لكن التوقعات تشير إلى أن الأزمة ستستمر لفترة بسبب تعقيدات سلسلة التوريد والاضطرابات الجيوسياسية.
الأزمة الحالية في الشحن البحري تسببت في تأخير مواعيد التسليم، زيادة تكلفة الشحن، وارتفاع أسعار السلع، مما يؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي ويزيد من الضغوط على الدول النامية. ارتفاع أسعار الشحن يعني أن الشركات ستضطر إلى نقل التكلفة إلى المستهلكين، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل عام. هذا الوضع يضع الدول النامية في موقف صعب، حيث ستضطر لدفع أسعار أعلى لاستيراد السلع، في حين أن صادراتها قد تتأثر بسبب ارتفاع تكاليف الشحن.
الأزمة الحالية لها تأثير كبير على التجارة العالمية، وتظهر الحاجة إلى تحسين البنية التحتية للموانئ وتطوير طرق الشحن البديلة لتجنب تكرار مثل هذه الأزمات في المستقبل. الحلول قد تشمل استثمارات في تحسين قدرات الموانئ وزيادة عدد الحاويات المتاحة، وكذلك تطوير تقنيات جديدة لتحسين كفاءة الشحن.
في النهاية، الأزمة الحالية تذكرنا بأهمية التعاون الدولي لتحسين سلسلة التوريد العالمية وضمان استدامتها في وجه الأزمات. الشركات والحكومات بحاجة للعمل معًا لتطوير حلول طويلة الأمد تضمن تدفق البضائع بشكل سلس وفعال، وتقلل من التأثيرات السلبية على الاقتصاد العالمي، خاصةً على الدول النامية التي تعاني أكثر في مثل هذه الظروف.
تقرير دايلي بيروت