الذكاء الإصطناعي

تتجه الصين إلى تشديد الرقابة على روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، عبر مسودة لوائح تنظيمية جديدة تهدف إلى الحد من تأثيرها العاطفي والنفسي على المستخدمين، خصوصًا في القضايا الحساسة مثل الانتحار وإيذاء النفس والمقامرة.
ووفق المسودة التي نشرتها إدارة الفضاء الإلكتروني الصينية، تستهدف القواعد ما تصفه بـ«خدمات الذكاء الاصطناعي التفاعلية الشبيهة بالبشر»، وهي الأنظمة المصممة لمحاكاة الشخصية الإنسانية والتفاعل عاطفيًا مع المستخدمين عبر النصوص أو الصور أو الصوت أو الفيديو. ومن المقرر فتح باب الملاحظات العامة على هذه اللوائح حتى 25 يناير المقبل.

ويرى مختصون أن هذه الخطوة تمثل سابقة عالمية، إذ تُعد الصين أول دولة تسعى لوضع إطار تنظيمي مباشر للذكاء الاصطناعي ذي الطابع الإنساني أو الأنثروبومورفي. واعتبر وينستون ما، أستاذ القانون المشارك في جامعة نيويورك، أن هذه اللوائح تعكس انتقال التركيز من «سلامة المحتوى» إلى «سلامة المشاعر»، في ظل الانتشار السريع لتطبيقات الرفيق الرقمي والمشاهير الافتراضيين داخل الصين.

وتنص القواعد المقترحة على حظر أي محتوى قد يشجع على الانتحار أو إيذاء النفس، أو ينطوي على تلاعب عاطفي أو إساءة نفسية للمستخدمين. وفي حال أظهر المستخدم نية صريحة لإيذاء نفسه، تُلزم اللوائح الشركات بالتدخل البشري الفوري، بما في ذلك التواصل مع ولي الأمر أو جهة اتصال محددة مسبقًا.

كما تمنع المسودة روبوتات الدردشة من إنتاج محتوى يتعلق بالمقامرة أو المواد الإباحية أو العنف، وتفرض قيودًا خاصة على استخدام القُصر لتقنيات «الصحبة العاطفية» القائمة على الذكاء الاصطناعي، من خلال اشتراط موافقة أولياء الأمور وتحديد مدد زمنية للاستخدام.
وتُلزم القواعد المنصات بمحاولة التحقق من أعمار المستخدمين حتى في حال عدم الإفصاح عنها، مع تطبيق إعدادات وقائية تلقائية عند الاشتباه في أن المستخدم قاصر، وإتاحة آلية للاعتراض. كما تشترط تنبيه المستخدم بعد ساعتين من التفاعل المتواصل مع الذكاء الاصطناعي، وإجراء تقييمات أمنية إلزامية للروبوتات التي يتجاوز عدد مستخدميها مليون مسجل أو 100 ألف مستخدم نشط شهريًا.

ورغم الطابع الصارم لهذه اللوائح، فإنها تشجع في المقابل على استخدام الذكاء الاصطناعي الشبيه بالبشر في مجالات مثل نشر الثقافة، ودعم كبار السن، والخدمات الاجتماعية.
ويأتي هذا التحرك التنظيمي في توقيت حساس، بالتزامن مع تقدم شركتي «Z.ai» و«Minimax»، وهما من أبرز مطوري روبوتات الدردشة في الصين، بطلبات للاكتتاب العام في بورصة هونغ كونغ. وتُعرف «Minimax» بتطبيق «Talkie AI» الذي يتيح التفاعل مع شخصيات افتراضية ويضم عشرات الملايين من المستخدمين النشطين شهريًا.
وعلى الصعيد العالمي، تتزايد المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي العاطفي على الصحة النفسية والسلوك البشري. وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، قد أقر بصعوبة تعامل روبوتات الدردشة مع محادثات الانتحار، في وقت بدأت فيه شركات كبرى بإعادة تقييم مخاطر هذه التقنيات.
وتعكس الخطوة الصينية مسعى بكين لترسيخ نموذج صارم لحوكمة الذكاء الاصطناعي، في ظل تصاعد الاعتماد عليه ليس فقط كأداة تقنية، بل كطرف حاضر في العلاقات والتفاعلات الإنسانية، وهو ما يفتح الباب أمام تحديات أخلاقية وتنظيمية غير مسبوقة.



