العالم
"أمناء النفط".. كيف صنع "الحرس" شبكة تجار جديدة بمليارات الدولارات؟

تسلّم طهران ملايين البراميل من نفطها إلى وسطاء خاصين لبيعها خارج القنوات التقليدية، بعضهم يحمل ديوناً متراكمة من مبيعات سابقة، ويحصل رغم ذلك على شحنات جديدة بالدَّين وبخصومات استثنائية، في أحدث صورة لاقتصاد موازٍ صنعته العقوبات وحوّل الالتفاف عليها إلى صناعة تقدر بمليارات الدولارات.
وكشف موقع "إيران ناشونال" أن وثائق سرية ظهرت في سبتمبر/أيلول عن اعتراض داخل أجهزة الدولة الإيرانية على منح أربعة ممن يعرفون بـ"أمناء النفط" كميات كبيرة من الخام بالآجل، رغم عدم إعادة مليارات الدولارات من عائدات مبيعات سابقة.
وأظهرت إحدى الوثائق، وهي رسالة من وحدة الحماية التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي إلى وزارة النفط، أن الوسطاء حصلوا على خصم بلغ 8.5 دولار للبرميل، وصفته الرسالة بأنه غير اعتيادي. وتضع الوثائق مسؤولاً سابقاً في استخبارات الحرس الثوري، محمد جواد باوند، في مركز منظومة بيع النفط الجديدة.
دولة تسلّم نفطها لـ"الأمناء"
لا يمثل استخدام الوسطاء جديداً في إيران. لكن العقوبات الأمريكية، ثم اتساع القيود المالية، نقلتهم من هامش تجارة النفط إلى قلبها.
وتطلق طهران على هؤلاء وصف "الأمناء"، وهم أفراد وشبكات تتولى استلام الخام وبيعه وتحريك عائداته عبر شركات وحسابات خارج النظام المالي الإيراني، بما يقلل قدرة العقوبات على تعقب الصفقات.
لكن هذه الآلية أنتجت مشكلة داخلية موازية للعقوبات نفسها، من خلال السؤال عمن يضمن عودة الأموال؟
وقدّر علي أكبر بور إبراهيم، الرئيس السابق لشركة "نفط إيران إنترتريد"، أن ما يصل إلى 11 مليار دولار من عائدات النفط لم يعد إلى البلاد بعد مروره عبر شبكات الوسطاء. كما أقر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي علناً بوجود مشكلة في الأموال التي لم يعدها "الأمناء"، مطالباً الجهات الحكومية التي أجازت التعامل معهم بتحمل مسؤوليتها.
وتشير المعلومات الأحدث إلى أسماء بينها علي بايندريان، ومحمد هادي مؤمنين، إضافة إلى رجال أعمال انتقلوا من تجارة السلع الأساسية إلى النفط، فيما تتداخل بعض الشبكات مع شخصيات ذات خلفيات أمنية أو علاقات بالحرس الثوري.
من البرميل إلى إمبراطورية
يقدم محمد حسين شمخاني، نجل المسؤول الإيراني البارز علي شمخاني، نموذجاً لحجم الأعمال التي يمكن أن تنمو حول اقتصاد العقوبات.
وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن شبكته أصبحت لاعباً رئيسياً في صادرات النفط الإيرانية، قبل أن تتوسع إلى الشحن بالحاويات وتجارة السلع عالمياً.
ووسعت واشنطن في يوليو/تموز عقوباتها لتشمل أكثر من 50 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بالشبكة، ليرتفع عدد الأفراد والكيانات والسفن التي استهدفتها العقوبات الأمريكية تحت مظلتها إلى أكثر من 200.
وتكشف إحدى الوثائق الإيرانية الجديدة عن شحنة مليوني برميل نقلت إلى الصين على ناقلة مرتبطة بشبكة شمخاني، قبل أن تدخل في نزاع مالي انتهى بسيطرة مالك السفينة على الشحنة، وفق "إيران ناشونال".
وتختصر الحادثة خطورة النموذج؛ فكلما ابتعد النفط عن القنوات الرسمية لتفادي العقوبات، ازدادت المسافة بين البرميل والخزانة الإيرانية، واتسعت معها مساحة الوسطاء والشركات الوهمية والديون والنزاعات.
المال لا يعود إلى إيران
لكن الشبكة الأكثر تعقيداً تظهر في الصين، الوجهة الرئيسية للخام الإيراني. حيث كشفت رويترز في سبتمبر/أيلول عن آلية سمحت لطهران بتحويل عائدات نفطية تقدر بما بين 2 و2.5 مليار دولار خلال عام واحد إلى مشتريات ومشاريع صينية، من دون إعادة الأموال بالطريقة التقليدية عبر المصارف الدولية.
وتبدأ الدورة بالنفط الإيراني وتنتهي برصيد داخل الصين. ويستخدم نحو 70% من الأموال التي تمر عبر إحدى الآليات لتمويل مشاريع بنية تحتية، فيما يدخل الباقي إلى حسابات آلية خاصة تسدد منها أثمان بضائع تحتاج إليها إيران، من الأدوية والسيارات ومعدات الاتصالات إلى عقود مرتبطة بمعدات عسكرية.
وهكذا لا يعود السؤال: كيف تحصل إيران على دولارات نفطها، بل؛ كيف تحول البرميل نفسه إلى طريق أو دواء أو معدات عسكرية من دون أن يمر الدولار بإيران أصلاً؟
عقدة إغلاق المضيق
وفقًا لمراقبين، فإن حرب 2026 كشفت حدود المنظومة كلها. ذلك أنه بعد إعادة فرض الحصار الأمريكي في يوليو/تموز، تراجعت تحميلات الخام والمكثفات الإيرانية من نحو مليوني برميل يومياً في مارس/آذار إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب، وفق تقديرات شركتي "كبلر" و"فورتيكسا" التي نقلتها رويترز. كما تراكم نحو 41.7 مليون برميل على ناقلات داخل الجانب الواقع خلف خط الحصار بحلول 26 أغسطس.
وهنا اصطدم اقتصاد الالتفاف بحد جغرافي لا تستطيع الشركات الوهمية تجاوزه. فإيران استطاعت، طوال سنوات، تغيير أسماء السفن، ونقل النفط بين الناقلات، وتدوير الشركات والحسابات وإخفاء المدفوعات. لكن عندما عجزت الناقلة نفسها عن عبور هرمز، لم تعد براعة الوسيط كافية.
وتكشف المفارقة الوجه الآخر لـ"تجار الحرس الجدد"؛ فالعقوبات صنعت الحاجة إليهم، ورفعت السرية قيمتهم، ومنحتهم السيطرة على مسارات تمر عبرها مليارات الدولارات، لكن الحرب جعلت الدولة أكثر اعتماداً على عدد أقل من القنوات القادرة على إبقاء تجارتها حية.
ولذلك لم تعد المعضلة الإيرانية تتعلق فقط بكمية النفط التي تستطيع طهران بيعها، بل بمن تضع في يده البراميل، وكم يدفع مقابلها، وكم يعود من ثمنها إلى الدولة. ففي اقتصاد العقوبات، لا يختفي النفط الإيراني؛ إنما يختفي الطريق الذي يسلكه المال بين البرميل والخزانة.
آخر الأخبار

منصات وعمليات في الجنوب.. هذا ما أعلنه الجيش الإسرائيلي

سلام خلال لقائه روبيو: لضرورة الانتقال إلى مرحلة تفعيل الإطار الثلاثي

وزارة الاقتصاد دعت إلى المشاركة في مزايدة عمومية لبيع خردة إهراءات مرفأ بيروت


