Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

العالم

ارتفاع التهديدات البحرية يدفع أيرلندا إلى تعزيز قدراتها العسكرية رغم الحياد

أطلقت أيرلندا أول استراتيجية بحرية وطنية في فبراير الماضي، وخصصت 1.7 مليار يورو للإنفاق الرأسمالي الدفاعي خلال خمس سنوات، مع ارتفاع توظيف المجندين الجدد بنسبة 12% في 2025، رغم أن إنفاقها العسكري ظل عند 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024.

··قراءة 3 دقائق
ارتفاع التهديدات البحرية يدفع أيرلندا إلى تعزيز قدراتها العسكرية رغم الحياد
مشاركة

خصصت الحكومة الأيرلندية 1.7 مليار يورو للإنفاق الرأسمالي الدفاعي خلال الفترة الممتدة من عام 2026 إلى عام 2030، بزيادة قدرها 55% مقارنة بالفترة السابقة، وفق ما أُعلن رسمياً. وسجلت القوات البحرية الأيرلندية ارتفاعاً في أعداد المجندين الجدد بنسبة 12% خلال عام 2025، في سياق جهود تعزيز القدرات البحرية بعد تصاعد المخاوف الأمنية.

الاستراتيجية البحرية الأولى في التاريخ الوطني

في فبراير الماضي، أطلقت الحكومة أول استراتيجية بحرية وطنية في تاريخ أيرلندا، بهدف إنهاء ما وُصف بـ"عمى البحر"، أي التركيز التقليدي على الأمن البري وإهمال المجال البحري. وتسعى الاستراتيجية إلى تعزيز حماية المياه الإقليمية والمنشآت الحيوية تحت سطح البحر، لا سيما الكابلات البحرية وخطوط الغاز الدولية التي تمر عبر المنطقة الاقتصادية الخالصة للأيرلندية أو بالقرب منها.

تكرار ظهور "يانتار" وتوسع "الأسطول الخفي"

برزت المخاوف الأمنية الأيرلندية مع تكرار ظهور السفينة الروسية للاستطلاع "يانتار" في المياه المحيطة بالبلاد، والتي يُعتقد أنها قادرة على نشر معدات مراقبة أو التدخل في كابلات الاتصالات البحرية. وفي عام 2024، رُصدت السفينة فوق خط أنابيب غاز يربط أيرلندا بالمملكة المتحدة، في خطوة اعتبرها مسؤولون رسالة مباشرة بشأن هشاشة البنية التحتية الحيوية. ورصدت السلطات الأيرلندية خلال الأسابيع الأخيرة زيادة في عبور سفن ما يُعرف بـ"الأسطول الروسي الخفي" عبر شمال المحيط الأطلسي، بعد تشديد الرقابة على المياه البريطانية والفرنسية.

أهمية جغرافية استثنائية

تكتسب هذه التحركات أهمية خاصة لأن نحو 75% من كابلات الإنترنت البحرية العابرة للمحيط الأطلسي تمر عبر المنطقة الاقتصادية الخالصة لأيرلندا أو بالقرب منها، إضافةً إلى عدد كبير من خطوط الغاز وممرات الشحن. ويجعل هذا التوزيع الجغرافي أي اضطراب في هذه المنطقة ذا تأثير يتجاوز الحدود الأيرلندية ليشمل الاقتصاد الأوروبي والعالمي.

تحديات القدرات والدعم الخارجي

وأقرت الحكومة في عام 2025 بأن سفينتين فقط من أصل ثماني سفن بحرية كانتا في الخدمة بسبب نقص الأفراد. كما سلطت الحرب في أوكرانيا الضوء على محدودية القدرات العسكرية الأيرلندية، بعدما رفضت كييف عرضاً لتسلم 27 مركبة مدرعة خفيفة بسبب ارتفاع تكلفة إصلاحها. ويؤكد الضابط البحري المتقاعد كاويمهين ماك أنفرايد أن أيرلندا ما زالت تعتمد إلى حد كبير على دعم "الأصدقاء والجيران"، ويطالب ببناء أسطول بحري حديث يشمل سفناً جديدة وأنظمة رادار وسونار متطورة، وزيادة أعداد القواعد البحرية وأفراد الخدمة.

الحياد العسكري وضغوط الرأي العام

ورغم هذه الخطوات، تظل أيرلندا الدولة الأقل إنفاقاً على الدفاع داخل الاتحاد الأوروبي، إذ لم يتجاوز إنفاقها العسكري في عام 2024 نحو 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط أوروبي يبلغ 1.3%. ويُشير محللون إلى أن التحدي لا يرتبط فقط بالإمكانات العسكرية، بل أيضاً بالمشهد السياسي الداخلي، حيث لا يحظى الإنفاق الدفاعي بأولوية لدى الرأي العام مقارنة بقضايا السكن وارتفاع تكاليف المعيشة والهجرة، كما أن الحياد العسكري لا يزال يحظى بتأييد واسع داخل المجتمع الأيرلندي.

الرئاسة الأيرلندية لمجلس الاتحاد الأوروبي

ومع تولي أيرلندا الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، وضعت الحكومة الأمن البحري ضمن أولوياتها، مؤكدة أن حماية البنية التحتية الحيوية وتعزيز الأمن الأوروبي أصبحت جزءاً أساسياً من أجندتها. وشددت وزيرة الخارجية هيلين ماكنتي على أن أيرلندا لم تعد بمنأى عن التهديدات، وأن الاستراتيجية الجديدة تستهدف بناء قدرات أفضل لحماية المجال البحري.

تحذيرات أوروبية من "الحلقة الأضعف"

ودفع هذا الوضع مسؤولين أوروبيين إلى توجيه انتقادات متكررة لدبلن، محذرين من أن ضعف القدرات الدفاعية في دولة تتحكم بجزء مهم من البنية التحتية الرقمية والطاقة الأوروبية قد يحولها إلى "الحلقة الأضعف" في منظومة الأمن الجماعي. ويشير الخبراء إلى أن استمرار هذا التوجه قد يترك فجوة أمنية في منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة، خاصة مع تصاعد التهديدات المرتبطة بالحرب الهجينة واستهداف الكابلات البحرية وخطوط الطاقة.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة