Daily Beirut

العالم

استنزاف وإنهاك وتصعيد.. هل تتجاوز حسابات الحوثيين السيطرة على الأرض؟

··قراءة 5 دقائق
استنزاف وإنهاك وتصعيد.. هل تتجاوز حسابات الحوثيين السيطرة على الأرض؟
مشاركة

مع اتساع رقعة المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، لم تعد مآلات الحرب في اليمن محكومة فقط بمساحات السيطرة الجغرافية، بل باتت تتصل أيضا بقدرة كل طرف على مواصلة العمليات وتحمل كلفتها العسكرية والاقتصادية، في ظل أزمة مؤسسية ممتدة.

وتكشف التطورات في تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع المعارك الدائرة في مأرب والجوف، عن تداخل أهداف التمدد الجغرافي مع حسابات إنهاك الخصم والحد من قدرته على المبادرة.

وفي حين تعمل القوات الحكومية، عبر عملية "فجر اليمن"، على استعادة مواقع إستراتيجية واستهداف تحركات الحوثيين وتعزيزاتهم، تسعى الميليشيات إلى ترسيخ مكاسبها وتكثيف الضغط على المناطق الخاضعة للحكومة، بما يفرض عليها أعباء إضافية في الدفاع والإمداد وإعادة الانتشار.

وتكتسب هذه التحركات أهميتها من موقع الجبهات التي تتقاطع فيها الطرق والمرتفعات المشرفة على خطوط التعزيز والمناطق الساحلية القريبة من باب المندب، بما يجعل أي تقدم أو تراجع ميداني ذا تأثير يتجاوز حدود المنطقة التي يشملها القتال.

وفي هذا السياق، تبدو التحركات الحوثية موزعة على مسارين متداخلين: توسيع الحضور في مناطق ذات أهمية إستراتيجية، وتعزيز الموقع التفاوضي عبر رفع كلفة استمرار الحرب على الحكومة وحلفائها، غير أن تحقيق ذلك يظل مرهونا بقدرة الميليشيات على الاحتفاظ بمواقعها ومواجهة الهجمات المضادة، مقابل استعداد القوات الحكومية لمعالجة اختلالاتها والبناء على مكاسبها.

الموارد والقدرات
تُشكل جبهات تعز مثالا واضحا على تداخل السيطرة الجغرافية مع إنهاك القوات؛ إذ لا يقتصر أثر التقدم الحوثي في ريف جنوب المحافظة على توسيع النفوذ، بل يمتد إلى تطويق المدينة وتعقيد وصول الإمدادات إليها؛ ما يصعّب على القوات الحكومية تأمين طرق التموين وتنظيم هجمات مضادة.

وتتعاظم أهمية المرتفعات الغربية والجنوبية الواقعة بين تعز ولحج، بالنظر إلى موقعها المشرف على مسارات التموين ومحاور التحرك باتجاه الساحل الغربي ومحيط باب المندب.

وتسعى الميليشيات إلى تأمين مواقعها الساحلية عبر توسيع انتشارها في ريف تعز والمرتفعات المحيطة، بما يمنحها قدرة أكبر على الضغط على القوات الحكومية وخطوط اتصالها.

ومن خلال هذا التقدم، يحاول الحوثيون إضعاف أحد أبرز مراكز النفوذ الحكومي في تعز، وفتح محاور ضغط باتجاه مناطق أخرى، غير أن تحويل هذه المكاسب إلى تقدم أوسع يظل مرتبطا بقدرة الميليشيات على تأمين المواقع الجديدة ومواجهة الهجمات المعاكسة، فضلا عن مدى قدرة القوات الحكومية على منع تثبيت خطوط سيطرة حوثية جديدة.

ويفرض استمرار المواجهات على جبهات متباعدة، تحديات فعلية على القوات الحكومية، التي تحتاج إلى توزيع الأفراد والعتاد والذخائر والإسناد اللوجيستي، مع الاحتفاظ بقوات قادرة على التدخل عند حدوث اختراقات جديدة.

لكن في المقابل، لا تخلو هذه المعادلة من كلفة على الحوثيين أنفسهم، إذ يتطلب التوسع تأمين المواقع الجديدة وخطوط الإمداد وتوزيع القوات على مناطق أوسع، إلى جانب مواجهة الغارات والهجمات المضادة.

تباين القدرات
لا يتوقف الضغط العسكري عند العمليات البرية، بل يمتد إلى استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ في استهداف مواقع عسكرية ومنشآت حيوية، بما يضيف بُعدا اقتصاديا إلى المواجهة.

وفيما تعتمد القوات الحكومية على تشكيلات برية متعددة وتستفيد من الإسناد الجوي الذي يقدمه حلفاؤها، راكم الحوثيون خبرة في استخدام الصواريخ والمسيّرات وتنفيذ هجمات عن بُعد، إلى جانب استغلال طبيعة التضاريس في إدارة المواجهات.

ويجعل هذا التباين في وسائل القتال والإسناد عاملا مؤثرا في تحديد كلفة العمليات ونتائجها، من دون أن يعني تفوق أحد الطرفين بصورة مطلقة في مجمل القدرات العسكرية.

ومع ذلك، لا يعني التفاوت في كلفة الأسلحة أن ميزان الاستنزاف يعمل في اتجاه واحد، أو أن الاعتماد على وسائل هجومية منخفضة التكلفة يضمن تفوقًا مستدامًا.

ويتطلب الاستمرار في هذه الهجمات إمدادات وقدرات تشغيلية وصيانة وتعويضًا للخسائر، كما أن الضربات الحكومية المدعومة جويًا قد تفرض بدورها خسائر بشرية ومادية على الحوثيين، وتدفعهم إلى إعادة توزيع قواتهم أو تغيير مواقعهم.

ومن هنا، يرتبط أثر هذه الوسائل بقدرة الحوثيين على الحفاظ على وتيرة الهجمات، مقابل قدرة القوات الحكومية وحلفائها على حماية المواقع الحيوية وتقليل الأضرار، والاستمرار في استهداف التحركات العسكرية ومصادر الإمداد التي تساعد الميليشيات على مواصلة عملياتها.

عوامل حاسمة
وتتأثر قدرة القوات الحكومية على المواجهة بالاختلالات القائمة داخل المؤسسة العسكرية، وفي مقدمتها تعدد التشكيلات وتباين هياكل القيادة والأولويات، إلى جانب القيود المالية واللوجيستية التي تواجه الدولة.

وتنعكس التحديات مباشرة على الأداء الميداني، إذ تتطلب إدارة المواجهات تنسيقا بين الوحدات العسكرية، وقدرة على نقل القوات بين الجبهات وتوجيه الإمدادات إلى المحاور الأكثر احتياجا، بالإضافة إلى توحيد القرار العملياتي وتحديد الأولويات وفق تطورات الميدان.

وتتداخل هذه المشكلة مع الوضع المالي الصعب الذي تواجهه الحكومة، إثر توقف صادرات النفط اليمنية منذ العام العام 2022، وتراجع الإيرادات العامة؛ ما تسبب في ضيق قدرة الدولة على تمويل النفقات الأساسية بما فيها الرواتب والخدمات، وفقا للبنك الدولي.

على الجهة الأخرى، يعتمد الحوثيون على إيرادات الجباية في مناطق سيطرتها لتمويل أجهزتها العسكرية والأمنية والإدارية، بما يعكس اختلاف مصادر التمويل وطبيعة الالتزامات المالية لدى الطرفين.

ويحدّ هذا الواقع من هامش المناورة المالي المتاح للحكومة، ويجعل استمرار العمليات العسكرية أكثر ارتباطا بتوافر الدعم الخارجي وانتظام الإمدادات.

الضغوط الإقليمية
يتجاوز تصعيد الحوثيين حدود الجبهات الداخلية إلى محاولة رفع كلفة الدعم العسكري الذي تتلقاه الحكومة من حلفائها الإقليميين، من خلال استهداف المصالح والمنشآت الحيوية في المملكة العربية السعودية.

وطبقا لتقرير مجموعة الأزمات الدولية، فإن الهجمات التي استهدفت مطار الرياض ومنشآت سعودية أخرى تبدو محاولة لإيصال رسالة مفادها أن استمرار الدعم العسكري للقوات الحكومية اليمنية سيترتب عليه ارتفاع الكلفة الأمنية والاقتصادية على المملكة.

ويرى التقرير أن إطالة أمد المواجهة قد تستنزف قدرات الحوثيين أنفسهم، وهو ما قد يفسر سعيهم إلى رفع الكلفة سريعًا قبل تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة.

لكن التقرير نفسه يحذر من أن هذه المقاربة قد تأتي بنتائج عكسية، بعدما أسهمت الهجمات في تعزيز إصرار السعودية على مواصلة المواجهة وتكثيف دعم القوات الحكومية.

وبذلك، فإن محاولة رفع كلفة الحرب على الطرف الداعم قد لا يكون كافيا لتقليص إسناده، بل قد تدفعه إلى زيادة الدعم العسكري وتوسيع التنسيق مع شركائه، في ظل ارتباط جبهات الساحل الغربي وباب المندب بالممرات البحرية الدولية.

القدرة على الاستمرار
وفي الوقت الذي تضع فيه التطورات الراهنة الحرب في اليمن أمام معادلة تتجاوز السيطرة على المواقع، دون أن تلغي أهمية الأرض بوصفها أساسا لأي تغيير في ميزان القوى، لا تضمن الضغوط الميدانية التي تفرضها ميليشيات الحوثي حسما عسكريا أو مكاسب سياسية تلقائية.

كما أن نجاح القوات الحكومية في استعادة مواقع إستراتيجية لا تكفي وحدها لتغيير مسار الحرب ما لم يقترن بتثبيت المكاسب، وتوحيد القرار العسكري، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ومنع تكرار الاختراقات في جبهات أخرى.

وما بين هذين المسارين، لن تحسم المعادلة بعدد المواقع التي يسيطر عليها أي طرف وحده، بل بقدرته على مواصلة الحرب وتحمل كلفتها، ومدى نجاحه في تحويل النفوذ الميداني إلى مكاسب مستدامة من دون استنزاف الموارد والإمكانيات.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة