العالم
"الدرع الأوروبي" تحت الاختبار.. موسكو ترد على تحالف باريس بضربة باليستية

شنّت روسيا هجومًا بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بعد ساعات من إعلان عشر دول أوروبية تشكيل تحالف دفاعي جديد لتعزيز قدرات القارة في مواجهة الصواريخ الباليستية.
واعتبر مراقبون الهجوم الروسي أول اختبار عملي ورسالة سياسية وعسكرية مباشرة للمبادرة الأوروبية الجديدة، بأن موسكو ما زالت تمتلك زمام المبادرة في سباق الهجوم والدفاع.
وكشف مصدر عسكري أوكراني، لـ"إرم نيوز"، أن الهجوم الروسي لم يكن مجرد عملية عسكرية تقليدية، وإنما جاء ضمن "استعراض قوة محسوب"، يستهدف توجيه رسالة إلى أوروبا قبل أن تتحول خططها الدفاعية الجديدة إلى واقع ميداني.
وقال المصدر إن موسكو تدرك أن أي مشروع أوروبي لبناء منظومة دفاع صاروخي مشتركة يحتاج إلى سنوات من التمويل والتصنيع والتدريب ونشر المنظومات.
ورأى أنه لذلك تسعى إلى استغلال الفجوة الزمنية الحالية لإثبات أن الصواريخ الباليستية الروسية لا تزال قادرة على فرض معادلة الردع، حتى مع استمرار تدفق أنظمة الدفاع الغربية إلى أوكرانيا.
اختبار الجاهزية
وأضاف أن الرسالة الروسية تحمل بعداً سياسياً بقدر ما تحمل بعداً عسكرياً، إذ تهدف إلى تقويض الثقة الأوروبية بقدرة التحالف الجديد على تغيير ميزان القوى، وإظهار أن الوقائع الميدانية تسبق القرارات السياسية التي تُعلن في العواصم الأوروبية.
وأوضح المصدر أن موسكو تحاول أيضاً اختبار جاهزية منظومات الدفاع الغربية الموجودة حالياً داخل أوكرانيا، وعلى رأسها منظومات "باتريوت" الأمريكية و"SAMP/T" الأوروبية، في محاولة لإثبات أن الصواريخ الباليستية الروسية، سواء من طراز "إسكندر" أو "كينغال"، ما زالت قادرة على اختراق شبكات الدفاع الجوي الحالية، قبل أن تبدأ أوروبا في بناء طبقة دفاعية أكثر تطوراً خلال السنوات المقبلة.
وأعلن مسؤولون أوكرانيون أن القوات الروسية هاجمت العاصمة كييف، الثلاثاء، بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة؛ ما أدى إلى اندلاع حرائق في عدد من أحياء المدينة، فيما استمرت حالة الإنذار الجوي لنحو 50 دقيقة.
وقال رئيس الإدارة العسكرية في كييف، تيمور تكاتشينكو، إن القصف استهدف منشآت للتخزين في حي هولوسيفسكي، بينما أعلن رئيس البلدية فيتالي كليتشكو سقوط حطام طائرة مسيرة في إحدى الضواحي الشرقية؛ ما أدى إلى احتراق عدد من المركبات، وفق صحيفة "كييف بوست".
وجاء الهجوم بعد ساعات فقط من إعلان 10 دول أوروبية، هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا والدنمارك والسويد والنرويج والمملكة المتحدة وأوكرانيا، إطلاق تحالف دفاعي جديد يهدف إلى تعزيز قدرات أوروبا في مواجهة الصواريخ الباليستية، في خطوة وصفها قصر الإليزيه بأنها تمثل مرحلة جديدة لتعزيز الأمن الجماعي الأوروبي في مواجهة التهديدات المتزايدة.
ويأتي هذا التحالف أيضاً بعد أيام من إعلان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، خططاً لتوسيع القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية عبر إنشاء مصانع لإنتاج أنظمة تسليح أمريكية داخل أوروبا، من بينها دبابات "أبرامز"، وصواريخ "ستينغر"، ومنظومات "أتاكمس"، بما يعزز قدرة الحلف على تعويض النقص في الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي.
حرب نفسية
وقالت الدكتورة نهال الشافعي، الباحثة في الشؤون الإستراتيجية، لـ"إرم نيوز"، إن الإعلان الأوروبي في باريس استهدف توجيه رسالة طمأنة إلى كييف وإظهار تماسك الجبهة الغربية، إلا أن الرد الروسي السريع حمل رسالة معاكسة مفادها أن التحالفات التي تُعلن سياسياً لا توفر حماية فورية على الأرض.
وأضافت أن موسكو تسعى إلى فرض أمر واقع قبل أن يتحوّل مشروع الدرع الأوروبي إلى منظومة عملياتية مكتملة، عبر إثبات أن السباق بين الهجوم والدفاع لا يزال يميل لصالح الصواريخ الباليستية، وأن تطوير وسائل الهجوم يسير بوتيرة أسرع من نشر أنظمة الاعتراض الجديدة.
ورأت أن الضربة تحمل أيضاً بعداً نفسياً يستهدف إضعاف ثقة الشارع الأوكراني بوعود الحلفاء الأوروبيين، وإقناع الرأي العام بأن بناء منظومة دفاعية أوروبية سيحتاج سنوات، بينما تستمر الصواريخ الروسية في الوصول إلى أهدافها خلال هذه الفترة.
سباق صاروخي مفتوح
وكان الناتو أقر تخصيص نحو 70 مليار يورو كمساعدات عسكرية لأوكرانيا خلال العامين الحالي والمقبل، بينما أعلنت ألمانيا استعدادها لتقديم أكبر مساهمة فردية ضمن الحزمة الجديدة.
في المقابل، تؤكد موسكو أن استمرار تدفق الأسلحة الغربية لن يغير مسار الحرب، إذ قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن شحنات السلاح الغربية "تطيل أمد الصراع وتجعل دول الناتو طرفاً مباشراً فيه"، مؤكداً أن جميع الإمدادات العسكرية المتجهة إلى أوكرانيا "تمثل أهدافاً مشروعة للقوات الروسية".
وتشير تقديرات "المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية" (IISS) إلى أن روسيا كثفت خلال العامين الماضيين إنتاجها من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، في مقابل تسارع أوروبي غير مسبوق لتوسيع برامج الدفاع الجوي؛ ما يجعل القارة أمام سباق طويل بين تطوير وسائل الهجوم وبناء طبقات دفاعية قادرة على اعتراضها، وهو سباق يبدو أن موسكو تسعى إلى حسم جولته الأولى قبل أن يرى "الدرع الأوروبي" النور.
إرم نيوز





