Daily Beirut

العالم

اليورانيوم الإيراني بين بوتين وشي.. هل بدأت "صفقة النووي" الكبرى؟

··قراءة 5 دقائق
اليورانيوم الإيراني بين بوتين وشي.. هل بدأت "صفقة النووي" الكبرى؟
مشاركة

عاد مقترح نقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى الواجهة مجددًا، بعد تأكيد الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طرح الفكرة خلال مباحثاته الأخيرة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، إن الملف الإيراني كان ضمن النقاشات التي جرت "خلال جلسة الشاي" بين بوتين وشي، موضحًا أن الرئيس الروسي أطلع نظيره الصيني على مبادرة نقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى الأراضي الروسية، باعتبارها صيغة يمكن لطهران وواشنطن بحثها إذا وجدتاها مناسبة.

وأكد بيسكوف، أن المقترح الروسي "لا يزال قائمًا"، وأن موسكو ناقشته مع الولايات المتحدة ودول في المنطقة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن واشنطن لم توافق عليه حتى الآن، وهو ما أعاد إلى الواجهة الخلافات القديمة المرتبطة بمصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب.

الفكرة الروسية ليست جديدة بالكامل، إذ سبق لموسكو أن لعبت هذا الدور خلال تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني العام 2015، عندما نُقل جزء من اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب إلى روسيا ضمن ترتيبات الاتفاق المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة".

وأشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنفسه إلى أن روسيا نقلت اليورانيوم من إيران بالفعل العام 2015، وأن موسكو مستعدة لتكرار التجربة مرة أخرى، موضحًا أن المقترح حظي في البداية بقبول من إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، قبل أن تغيّر واشنطن موقفها لاحقًا وتشدد شروطها.

وفي موازاة تصريحات بيسكوف، رفعت موسكو مستوى حديثها الرسمي عن الملف، إذ قالت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية، إن روسيا مستعدة تمامًا للمساعدة في تنفيذ أي ترتيبات محتملة تتعلق باليورانيوم الإيراني المخصب.

لكن التطورات الإيرانية الأخيرة أظهرت أن العقبة الأساسية لا تتعلق بالجانب التقني، بل بالموقف السياسي داخل طهران، خاصة أن تقارير غربية نقلت عن مصدرين إيرانيين رفيعين أن هناك توجيهًا صدر عن المرشد الإيراني علي خامنئي يقضي بعدم خروج مخزون اليورانيوم المخصب من البلاد، باعتبار أن الاحتفاظ به يرتبط بالأمن القومي الإيراني.

هذا الموقف تزامن مع تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال اجتماعات "بريكس" في نيودلهي، حيث قال إن مسألة نقل اليورانيوم "ليست مطروحة حاليًا"، وإنها ليست ضمن صلب المفاوضات الجارية.

وفي المقابل، تتمسك الإدارة الأمريكية برفض منح روسيا دور "الحاضن" للمخزون النووي الإيراني، وسط استمرار الخلافات المتعلقة بالتخصيب وآليات الرقابة الدولية، وهو ما يجعل ملف نقل اليورانيوم أحد أكثر الملفات تعقيدًا داخل المفاوضات الجارية.

وبين تمسك إيران ببقاء المخزون داخل أراضيها، ورفض واشنطن منح موسكو هذا الدور، تظل مبادرة نقل اليورانيوم الإيراني إلى روسيا مطروحة سياسيًا ودبلوماسيًا، في وقت تعود فيه تجربة اتفاق 2015 مجددًا إلى واجهة النقاشات المتعلقة بمستقبل التفاهمات النووية وآليات الضمان والتخزين والرقابة الدولية.

"الضامن الفعلي"

في البداية، قال المحاضر في العلوم السياسية والباحث في مركز البحوث العلمية التطبيقية والاستشارية في موسكو د. ميرزاد حاجم، إن عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن نقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى الأراضي الروسية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد إجراء تقني أو ترتيب لوجستي، بل يمثل خطوة جيوسياسية تحمل أبعادًا استراتيجية واسعة.

وأشار حاجم، في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، إلى أن موسكو تسعى من خلال هذا الطرح إلى التحول إلى "الضامن الفعلي" لمنع إيران من تجاوز العتبة النووية، بما يمنح الكرملين في الوقت نفسه ورقة تفاوض وضغط في مواجهة الولايات المتحدة ضمن ملفات دولية أخرى، بالتوازي مع إبقاء طهران ضمن دائرة النفوذ الروسي المباشر.

وأضاف أن إشراك الرئيس الصيني شي جين بينغ في هذه المبادرة لم يكن خطوة رمزية، بل يعكس إدراك موسكو أن أي تسوية مستدامة للملف النووي الإيراني تحتاج إلى غطاء سياسي واقتصادي موازٍ للغرب.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.

ورأى حاجم، أن التنسيق الروسي الصيني يهدف إلى تحويل المقترح إلى "ضمانة أوراسية" مشتركة تمنح طهران شعورًا أكبر بالأمان، وتوجه رسالة مباشرة إلى واشنطن بأن إدارة أزمات الشرق الأوسط لم تعد حكرًا على القوى الغربية وحدها.

ولفت إلى أن موسكو تتبع تكتيكًا دبلوماسيًا حذرًا ظهر بوضوح في تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، التي شددت على أن القرار النهائي يعود إلى إيران وحدها، موضحًا أن روسيا تحاول تجنب الظهور بمظهر الطرف الذي يفرض وصايته على البرنامج النووي الإيراني، مع توفير مخرج سياسي يحفظ لإيران سيادتها ويجنبها في الوقت نفسه مخاطر التصعيد العسكري الأمريكي أو الإسرائيلي المحتمل.

وأكد حاجم، أن روسيا تتحرك باعتبارها "الوسيط الذي لا غنى عنه" في هذه المرحلة، عبر محاولة احتواء التوتر الإقليمي وتأمين حدودها الجنوبية، إلى جانب تعزيز صورتها كقوة قادرة على صياغة حلول عملية للأزمات المعقدة.

تنازلات ومكتسبات

وفي السياق ذاته، رأى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية د. محمود الأفندي، أن القمة الروسية الصينية الأخيرة جاءت في توقيت شديد الحساسية بعد سلسلة من التحركات والاتصالات المرتبطة بالأزمة في الشرق الأوسط.

وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، أوضح الأفندي أن الملف النووي الإيراني، وتحديدًا قضية اليورانيوم المخصب، بات محور التفاهمات الدولية الجارية حاليًا.

وأضاف أن الحديث عن نقل اليورانيوم الإيراني المخصب يرتبط مباشرة بالتحولات الجارية في شكل النظام الدولي، معتبرًا أن الأزمة تجاوزت منذ فترة طويلة حدود الملف النووي ذاته، لتصبح جزءًا من صراع أوسع يتعلق بتوازنات النفوذ العالمي وتقاسم الأدوار بين القوى الكبرى.

واعتبر الأفندي، أن إيران تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة ارتكاز أساسية في مشروع بناء عالم متعدد الأقطاب تقوده روسيا والصين، مشيرًا إلى أن التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط ساهمت عمليًا في تسريع تشكل هذا النظام الجديد أكثر مما فعلته الحرب في أوكرانيا.

ولفت إلى أن روسيا تصر على أن يكون القرار الإيراني مستقلًا بالكامل، وأن أي تنازلات تقدمها طهران يجب أن تقابلها مكاسب واضحة، سواء عبر رفع العقوبات أو استعادة الأموال الإيرانية المجمدة أو تقديم تعويضات اقتصادية، خاصة أن اليورانيوم المخصب يمثل استثمارات ضخمة تقدر بمئات مليارات الدولارات.

وأوضح أن الكميات المتداولة، التي تتراوح بين 400 و500 كيلوغرام، كلّفت إيران ما بين 150 و160 مليار دولار تقريبًا، ما يجعل أي اتفاق مرتبطًا بضمانات اقتصادية وسياسية متبادلة.

وأكد الأفندي أن الحرب وصلت إلى مراحلها الأخيرة من الناحية العسكرية، وأن ملف اليورانيوم المخصب بات يمثل "آخر أسباب الحرب"، معتبرًا أن أي تفاهم نهائي حول هذا الملف قد يفتح الباب أمام تسوية سياسية أوسع تنهي المواجهة الحالية وتؤسس لمرحلة جديدة من التفاهمات الدولية.

عبد الهادي كامل- إرم نيوز

مشاركة

آخر الأخبار