العالم

بعد تولي "كير ستارمر" منصب رئيس وزراء بريطانيا عقب فوز حزب العمال في الانتخابات العامة التي أُجريت في 4 يوليو 2024، شهدت المملكة المتحدة تصاعداً ملحوظاً في أعمال العنف التي يغذيها اليمين المتطرف. هذا التصاعد حدث بعد حادثة مأساوية وقعت في ساوثبورت يوم 29 يوليو 2024، حيث تعرضت ثلاث فتيات للطعن حتى الموت، مما أثار موجة من الغضب المجتمعي. فور وقوع الحادثة، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي معلومات مضللة، لم يتم التحقق من صحتها، تشير إلى أن المهاجم هو مهاجر مسلم، وهو ما أدى إلى تصاعد خطير في خطاب الكراهية والتحريض على العنف ضد المهاجرين والمسلمين في جميع أنحاء البلاد.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في تصاعد هذا العنف. أحد الأسباب الرئيسية لظهور اليمين المتطرف في المشهد العام كان رفع "إيلون ماسك"، الرئيس التنفيذي لمنصة (X)، الحظر عن العديد من الشخصيات اليمينية المتطرفة التي كانت قد تم حظرها سابقاً لانتهاكها سياسات الموقع بشأن خطاب الكراهية. من بين هذه الشخصيات "تومي روبنسون"، مؤسس رابطة الدفاع الإنجليزية، الذي استفاد من عودة حسابه إلى المنصة لتعزيز خطاباته المناهضة للإسلام والمهاجرين، مما ساهم في تعبئة أعداد كبيرة من المتابعين ودفعهم للانخراط في الاحتجاجات العنيفة.
الاحتجاجات بدأت بعد أن تم تداول معلومات خاطئة حول هوية المشتبه به في الهجوم، حيث زعمت بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أن المهاجم هو مهاجر مسلم وصل حديثاً إلى البلاد. هذه المعلومات المضللة انتشرت بسرعة عبر منصات مثل (X) وTikTok، مستغلة خوارزميات هذه المنصات التي تعزز انتشار المحتوى المثير للجدل. نتيجة لذلك، تمت مشاركة المنشورات الداعية للاحتجاجات على نطاق واسع، مما أدى إلى حشد الآلاف في الشوارع، وتصاعد التوترات المجتمعية.
إلى جانب ذلك، ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم أصوات الشخصيات اليمينية المتطرفة الذين قاموا بترويج خطابات الكراهية بشكل ممنهج. هؤلاء المؤثرون استغلوا منصاتهم لنشر أفكار متطرفة، وحشد المؤيدين للانخراط في احتجاجات عنيفة ضد المهاجرين، مما زاد من حدة الأزمة.
من جانب آخر، سهلت وسائل التواصل الاجتماعي التواصل بين الجماعات اليمينية المتطرفة بشكل غير مرئي تقريباً، حيث استخدموا منصات مثل Telegram لتنظيم احتجاجات مفاجئة، مما شكل تحدياً كبيراً لقوات الأمن التي واجهت صعوبة في الاستجابة لتلك التحركات السريعة وغير المتوقعة.
تستغل هذه الجماعات اليمينية الروابط بين المنصات البديلة والرئيسية لنشر أفكارها. فبعدما يتم ترويج المحتوى المتطرف على منصات بديلة مثل Gab وParler، يتم نقله إلى المنصات الكبرى مثل (X) للوصول إلى جمهور أوسع، مما يعقد جهود الرقابة ويزيد من صعوبة تتبع ومنع انتشار هذه الأفكار المتطرفة.
طبيعة اليمين المتطرف أصبحت أكثر لامركزية مع مرور الوقت، مما جعل من الصعب على السلطات التعرف على الكيانات المسؤولة عن التحريض على العنف. فبدلاً من وجود تنظيم واحد يمكن استهدافه، أصبحت الحركة تتكون من مجموعات صغيرة ومتفرقة تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة لتنظيم أعمالها وتحريكها.
في مواجهة هذا التحدي، اضطرت الحكومة البريطانية إلى اتخاذ موقف صارم تجاه منصات التواصل الاجتماعي. "كير ستارمر" وجه انتقادات حادة لهذه المنصات، متهماً إياها بالمسؤولية عن تأجيج العنف والتحريض عليه، داعياً إياها إلى العمل مع الحكومة لضمان سلامة المجتمع. ومع ذلك، تجاهل "إيلون ماسك" تلك التحذيرات، بل وشارك في نشر معلومات مضللة حول الهجرة والمساجد، مما يزيد من تعقيد الموقف ويعكس عدم استعداده للتعاون مع الحكومة.
الحكومة البريطانية قد تجد نفسها مضطرة إلى تفعيل قانون السلامة على الإنترنت لعام 2023 بشكل أكثر حزمًا، وذلك لفرض مزيد من الرقابة على المحتوى المنشور على منصات التواصل الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، قد تلجأ إلى تطبيق قوانين النظام العام التقليدية لمواجهة التحريض على العنف عبر الإنترنت، في ظل عدم توافر أدوات فعالة بشكل كافٍ في إطار القانون الجديد.
الأحداث التي شهدتها بريطانيا تعكس جزءاً من ظاهرة عالمية تتسم بتزايد تأثير الشعبوية واليمين المتطرف المدعوم بوسائل التواصل الاجتماعي. هذه الظاهرة تبرز التحديات الكبيرة التي تواجهها الحكومات في التعامل مع انتشار المعلومات المضللة والعنف الرقمي، مما يستدعي تبني سياسات أكثر صرامة لحماية المجتمعات من تداعيات هذه التوجهات المتطرفة.
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى عدم نسخ ما يزيد عن 20 في المئة من مضمون الخبر مع ذكر اسم موقع Dailybeirut وارفاقه برابط الخبر.
دايلي بيروت
العالم
العالم
اخبار لبنان
اخبار لبنان