Daily Beirut

العالم

جدل في ألمانيا بعد اقتراح بوتين تعيين شرودر وسيطاً في النزاع الأوكراني

اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعيين المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر وسيطاً في مفاوضات أوكرانيا يثير موجة من الانتقادات والسخرية في برلين.

··قراءة 3 دقائق
جدل في ألمانيا بعد اقتراح بوتين تعيين شرودر وسيطاً في النزاع الأوكراني
مشاركة

جملة واحدة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أطلقها في 9 مايو أيار على هامش استعراض النصر في الميدان الأحمر، فجّرت جدلاً لم يهدأ في ألمانيا حتى الآن: "من بين جميع السياسيين الأوروبيين، أُفضّل شخصياً خوض المباحثات مع شرودر". كان الاقتراح بتعيين المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر وسيطاً في مفاوضات النزاع الروسي-الأوكراني، لكن ردّ برلين جاء بكلمة واحدة لخّصت كل شيء في القاموس الألماني: "Schnapsidee"، وهي الكلمة المستخدمة لوصف الأفكار التي لا تُولد إلا في حالة سُكر، أو "فكرة مجنونة" لا تبدو قابلة للتطبيق، بحسب مجلة لوبوان الفرنسية.

ولد شرودر عام 1944 لعائلة عاملة متواضعة في منطقة هانوفر، وصعد عبر السياسة الاشتراكية الديمقراطية إلى أن أصبح وزيراً أول لولاية ساكسونيا السفلى، ثم انتزع المستشارية الفيدرالية في انتخابات 1998 على رأس ائتلاف "أحمر-أخضر" مع الخضر. طوال سبع سنوات في السلطة (1998-2005)، رسم شرودر لنفسه صورة المصلح الاقتصادي الجريء، وظل برنامج "أجندة 2010" لإصلاح دولة الرفاه شاهداً على تلك المرحلة. لكن ما ظل أيضاً في السجل التاريخي هو قراره الاستراتيجي المصيري: ربط ألمانيا بالغاز الروسي عبر مشروع نورد ستريم، وهو خطأ أثبتت الأحداث لاحقاً أنه كان كارثياً لبلاده.

حين سلّم شرودر مفاتيح المستشارية لأنجيلا ميركل في 2005، نطق علناً بما آثر غيره إخفاءه: "الآن سأجني المال!"، وكان صادقاً، حيث تحوّل بسرعة لافتة إلى مُحترف يستثمر شبكة علاقاته بموسكو، فدخل مجلس إدارة روسنفت (عملاق النفط الروسي الحكومي)، وتولّى رئاسة نورد ستريم AG المشغّلة لخطوط الغاز العابرة لبحر البلطيق نحو ألمانيا. لم يكن الأمر مجرد مصالح تجارية، فبين شرودر وبوتين صداقة شخصية عميقة تمتد لعقدين، قضيا فيها ليالي أعياد ميلاد وسهرات خاصة، وتبادلا الابتسامات في صور بدت عفوية وكانت رسائل في الوقت ذاته. وبلغت الصداقة حد أن بوتين هو من يُسّهل اعتماد تبني شرودر لطفلين روسيين في مطلع الألفية الثالثة.

حين شنّت روسيا حربها على أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، فعل شرودر ما فعله طوال حياته، رفض "إدانة صديقه"، ولم يكتفِ بالصمت، بل سافر إلى موسكو برفقة زوجته الكورية الجنوبية سيويون، واصفاً الرحلة بأنها محاولة لإخماد النزاع. في الصورة التي نشرتها الزوجة على إنستغرام، كانت يداها متشابكتين بالدعاء وخلفها الساحة الحمراء، مثيرة عاصفة من السخرية في ألمانيا. عاد شرودر خالي الوفاض، فاستقال على إثر ذلك من مجلس إدارة روسنفت، لكنه لم يتراجع خطوة واحدة في موقفه من الحرب.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.

اليوم، وفي الثانية والثمانين من عمره، يحمل شرودر لقباً غير رسمي لكنه راسخ في الأذهان الألمانية "صاحب بوتين". وتجاوز الأمر المجاز، فشخصيات من حزبه الاشتراكي الديمقراطي نفسه يطالبون بتجريده من امتيازات المستشارين السابقين مدى الحياة في سابقة لم تحدث في تاريخ ألمانيا الاتحادية.

ردود فعل متباينة داخل ألمانيا وأوروبا

بمجرد أن اقترح بوتين اسمه وسيطاً، أطلق الجميع تصريحاتهم. كايا كالاس، رئيسة دبلوماسية الاتحاد الأوروبي الإستونية، لم تتردد بالقول: "شرودر كان محترفا رفيع المستوى للشركات الحكومية الروسية، من هنا تتضح دوافع بوتين في اختياره". أما النائب رولاند ثايس من الاتحاد المسيحي الديمقراطي، عضو لجنة الدفاع في البوندستاغ، فقال لصحيفة لوفيغارو: "شرودر ليس فقط صديق بوتين، بل هو أيضاً المهندس الرئيسي للتبعية الألمانية للغاز الروسي. تعيينه وسيطاً أمر يصعب قبوله لافتقاره التام للحياد المطلوب".

داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي نفسه، ثمة أصوات تحثّ على عدم رفض الاقتراح من دون تمحيص. المتحدث باسم كتلة الحزب في الشؤون الخارجية أديس أحميتوفيتش طالب بـ"دراسة متأنية مع الشركاء الأوروبيين" قبل الرفض القاطع، فيما رأى خبير السياسة الخارجية رالف ستيغنر أنه "سيكون من قلة الحكمة رفض أي فرصة قد تُعجّل بإنهاء الحرب".

يكشف المحلل يعقوب روس من الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية (DGAP) البُعد الأعمق للمقترح الروسي: "يمكن تأويل هذا الاقتراح بسهولة على أنه محاولة لإثارة الفتنة داخل المشهد السياسي الألماني، بما في ذلك داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي ذاته". وأضاف: "إنه اختبار للمزاج السياسي في لحظة تشهد فيها ألمانيا توترات داخلية حادة، وحين يكون المستشار فريدريش ميرتس في أضعف أحواله شعبياً، وحين يسجّل حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف أرقاماً تاريخية. بوتين يصبّ الزيت على النار ثم يراقب ما يحدث."

المستشار ميرتس نفسه آثر الصمت، لكن متحدثاً باسم حكومته أبلغ المؤتمر الصحفي الحكومي بأن روسيا إن كانت "تريد فعلاً التفاوض فهي تعرف من هم محاوروها في أوروبا".

مشاركة

آخر الأخبار