العالم

مع بدء القوات الروسية إعادة تنظيم وجودها العسكري في الساحل السوري، وفق ترتيبات جديدة بين موسكو ودمشق، تتحدث مصادر سياسية ووسائل إعلام روسية وكوبية عن طرح يتعلق بتوسيع الحضور الروسي في كوبا، في مقابل دعم موسكو لقطاع الطاقة المتعثر في الجزيرة.
ويأتي هذا الطرح في وقت تعيد فيه روسيا النظر في طبيعة انتشارها العسكري خارج حدودها، فيما تمثل كوبا موقعًا جيوسياسيًا حساسًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بحكم قربها الجغرافي من الأراضي الأمريكية.
إعادة صياغة الوجود الروسي في سوريا
وكانت وزارة الخارجية السورية قد أعلنت التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا بشأن مستقبل الوجود الروسي في الساحل السوري، بعد نحو عام ونصف من المفاوضات.
وبحسب الإعلان السوري، تتولى الدولة إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، ومن بينها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيدًا لإدخالهما تدريجيًا ضمن منظومة الإدارة المدنية الوطنية.
أما المنشآت العسكرية، فتتضمن الترتيبات الجديدة إعادة صياغة وظائفها لتتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات أمنية وجيوسياسية جديدة.
وحددت المذكرة مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية إعادة التنظيم والتحويل، بما يمثل تغييرًا في طبيعة الوجود العسكري الروسي المباشر في سوريا، من دون أن يعني بالضرورة إنهاء التعاون العسكري بين موسكو ودمشق.
مقايضة الطاقة بالحضور العسكري
وفي هذا السياق، تبرز كوبا كأحد الخيارات التي يُقال إن موسكو قد تنظر إليها لتعزيز حضورها الاستراتيجي خارج المنطقة.
ونقلت صحيفة "إل بوريوديكا كوبانو" عن مصادر روسية حديثًا عن إمكانية إقامة منشآت أو قواعد عسكرية روسية في كوبا، مقابل مساعدة موسكو لها في معالجة أزمة الطاقة وتوفير الكهرباء والمعدات اللازمة لتطوير قطاع التوليد.
وتواجه كوبا أزمة طاقة حادة، مع تكرار انقطاعات الكهرباء لفترات طويلة، ما أثر في الخدمات الأساسية والنشاط الاقتصادي في البلاد.
وقال الخبير والمحلل في شؤون الطاقة الروسي إيغور يوشكوف، من الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية، إن موسكو تمتلك القدرات التقنية اللازمة للمساعدة في بناء محطات حرارية، بل ومحطات نووية، لسد جزء من العجز في قطاع الكهرباء الكوبي.
لكن يوشكوف أشار إلى أن الأزمة المالية في كوبا تمثل عقبة رئيسة أمام تمويل مثل هذه المشاريع، في ظل صعوبات هافانا في الوفاء بالتزاماتها المالية.
وتملك موسكو بالفعل مصالح اقتصادية واسعة في كوبا، إذ أعلنت الحكومة الروسية في 2025 استعداد شركات روسية لاستثمار أكثر من مليار دولار في الجزيرة حتى عام 2030، في قطاعات تشمل الطاقة والزراعة والبنية التحتية، ضمن ما يعرف بـ"خطة 2030".
وفي المقابل، سبق أن واجهت مشاريع روسية في كوبا تأجيلات أو صعوبات مرتبطة بقدرة هافانا على السداد، وهو ما يفتح الباب أمام صيغ تمويل أو مقايضة غير تقليدية للمشاريع الجديدة.
كوبا.. ورقة حساسة في مواجهة واشنطن
ويكتسب أي توسع عسكري روسي محتمل في كوبا أهمية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، نظرًا إلى الموقع الجغرافي للجزيرة القريبة من السواحل الأمريكية.
وفي حال تحولت الأحاديث المتداولة إلى اتفاق رسمي يسمح بوجود عسكري روسي دائم أو نشر منظومات صاروخية في كوبا، فإن الخطوة قد تفتح جبهة جديدة في التنافس الاستراتيجي بين موسكو وواشنطن، وتعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
ومن شأن إقامة منشآت عسكرية روسية في الجزيرة أن تمثل تحديًا مباشرًا للحسابات الأمنية الأمريكية في منطقة تعتبرها واشنطن مجالًا حيويًا لأمنها القومي، خصوصًا في ظل عودة التوتر بين روسيا والولايات المتحدة على خلفية الحرب في أوكرانيا.
لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات معلنة تؤكد إبرام اتفاق روسي-كوبي لإقامة قواعد عسكرية جديدة أو نشر صواريخ روسية في الجزيرة، ما يجعل هذا السيناريو في إطار التقارير والتكهنات التي تحتاج إلى تأكيد رسمي.
أزمة الطاقة الكوبية
وتمنح أزمة الكهرباء في كوبا موسكو ورقة اقتصادية مهمة في حال قررت توسيع شراكتها مع هافانا.
فدعم قطاع الطاقة يمكن أن يوفر لروسيا مدخلًا لتعزيز نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي في الجزيرة، خصوصًا إذا ارتبط بمشاريع طويلة الأجل في توليد الكهرباء وصيانة الشبكة وتوفير الوقود والمعدات.
لكن قدرة موسكو على تحمل كلفة استثمارات ضخمة في الخارج تبقى موضع تساؤل، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على الاقتصاد الروسي.
كما أن أي اتفاق يتضمن مكونًا عسكريًا واضحًا سيكون أكثر حساسية من مشاريع الطاقة والاستثمار التقليدية، وقد يواجه رد فعل أمريكيًا قويًا.
بين سوريا وكوبا
وتشير التطورات في سوريا وكوبا إلى اختلاف السياقين الجيوسياسيين، إلا أن إعادة ترتيب الانتشار الروسي في الشرق الأوسط قد تدفع موسكو إلى البحث عن صيغ جديدة للحفاظ على قدرتها على نشر قواتها وممارسة نفوذها خارج حدودها.
وفي المقابل، قد ترى هافانا في روسيا شريكًا قادرًا على تقديم دعم اقتصادي وطاقة ومساندة سياسية في مواجهة أزمتها الداخلية والعقوبات الأمريكية.
ومع ذلك، يبقى الانتقال من التعاون الاقتصادي والطاقة إلى إنشاء قواعد عسكرية روسية في كوبا خطوة أكثر تعقيدًا، تتوقف على حسابات موسكو بشأن كلفة مواجهة واشنطن، وعلى استعداد هافانا لتحمل تداعيات مثل هذا القرار.
وبالتالي، فإن الحديث عن قواعد روسية جديدة في كوبا لا يزال بحاجة إلى أدلة واتفاقات معلنة، بينما تبدو الشراكة في مجال الطاقة والاستثمار مسارًا قائمًا بالفعل ويمكن أن يشكل، في حال تطوره، أساسًا لتوسيع النفوذ الروسي في الجزيرة.



