العالم
هل تعيد أمريكا أخطاء إيبولا 2014 في مواجهة التفشي الجديد بالكونغو؟
تفشي إيبولا في الكونغو وأوغندا كشف تراجع منظومة الاستجابة الأمريكية، مع غياب إطار رسمي متكامل وتزايد التحذيرات من اتساع العدوى.

أكثر من 200 وفاة في الكونغو وتحذيرات إلى 10 دول أفريقية، فيما يتعامل البيت الأبيض مع تفشي إيبولا الجديد عبر تنسيق متفرق بين الوكالات لا عبر غرفة عمليات مركزية.
تفشي يربك التنسيق الأمريكي
قالت صحيفة "واشنطن بوست" إن التفشي الجديد لفيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا بات اختباراً مباشراً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات الصحية العالمية. وأضافت أن واشنطن تواجه تراجعاً في منظومة التنسيق التي اعتمدت عليها استجابتها خلال أزمة 2014.
وبحسب التقرير، فإن ما يجري اليوم يكشف حجم التبدلات التي أصابت البنية الأمريكية الخاصة بالتصدي للأوبئة، بعد تفكيك أو تقليص عدد من المؤسسات والفرق التي أدت أدواراً محورية في أزمات صحية سابقة. ونقلت الصحيفة عن 6 أشخاص مطلعين على المناقشات الداخلية قولهم إنه لا يوجد حتى الآن إطار رسمي متكامل لإدارة الأزمة الحالية.
مؤشرات ارتباك مبكرة
ظهرت أولى علامات الارتباك عندما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها تساعد في إنشاء 50 مركز علاج في مناطق التفشي داخل الكونغو وأوغندا، قبل أن تقول وزارة الصحة الأوغندية إنها لم تُستشر بشأن هذه الخطط. وفي المقابل، قال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي إن الإدارة الأمريكية تحركت بسرعة منذ الساعات الأولى، عبر نشر مساعدات ومعدات طبية وتشديد إجراءات الفحص والمراقبة وفرض قيود سفر.
وأوضح ديساي أن مجلس الأمن القومي ومجلس الأمن الداخلي ومجلس السياسة الداخلية ينسقون الجهود مع وزارات الصحة والخارجية والأمن الداخلي والدفاع. وذكرت الصحيفة أن الإدارة الأمريكية تسعى حالياً إلى تعيين مسؤول رفيع يقود الاستجابة، على غرار منصب "قيصر إيبولا" الذي أُنشئ خلال تفشي 2014، فيما نقلت عن مصدر مطلع قوله: "نحن نحاول إيجاد الشخص المناسب".
تحذيرات من اتساع العدوى
قال رون كلاين، الذي قاد استجابة إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما خلال أزمة 2014، إن "خطة الاستجابة لا تزال موجودة، لكن السؤال الحقيقي هو: هل لا يزال اللاعبون موجودين؟". كما أكدت وزارة الخارجية أن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC لا تزال الوكالة الفيدرالية الرئيسة في إدارة الملف، وأن الوزارة أنشأت فريق عمل يعمل على مدار الساعة لتنسيق المساعدات والإجراءات القنصلية وبرامج الفحص الصحي ومراقبة المسافرين.
وأوضحت الصحيفة أن التفشي الحالي أصبح بالفعل من أكبر موجات إيبولا خلال السنوات الأخيرة، بعدما سجلت منظمة الصحة العالمية نحو 750 حالة مشتبه بها و177 وفاة في الكونغو حتى الآن. وبخلاف سلالة "زائير" التي قادت تفشي 2014، فإن السلالة الحالية "بونديبوجيو" لا تمتلك حتى الآن لقاحاً أو علاجاً معتمداً.
مخاطر في مناطق نائية
قال التقرير إن انتشار المرض في مناطق نائية وضعيفة البنية التحتية، إلى جانب وجود جماعات مسلحة وانعدام الثقة بالسلطات المحلية، يضاعف التحديات أمام فرق الاستجابة. وحذر رون كلاين من انتقال الفيروس إلى مخيمات اللاجئين في جنوب السودان، قائلاً إن انتشاره داخل مخيمات مكتظة وضعيفة الخدمات الصحية قد يؤدي إلى "انتشار كالنار في الهشيم" مع خسائر بشرية هائلة.
ويُعرف فيروس إيبولا بانتقاله عبر ملامسة سوائل جسم المصابين، ما يجعل المستشفيات المزدحمة وعمليات الرعاية والدفن من أخطر بؤر العدوى خلال موجات التفشي غير المسيطر عليها. وفي شرق الكونغو، حذر روبرت باتوسا، مدير البرامج في منظمة "وورلد ريليف" داخل الكونغو الديمقراطية، من احتمال وجود آلاف الحالات غير المكتشفة، في ظل محدودية الموارد الطبية ونقص المعدات الأساسية مثل القفازات والمواد المعقمة وأكياس الجثث.
تراجع مؤسسي في الأمن الصحي
استعرض التقرير ما وصفه بـ"التراجع المؤسسي" في منظومة الأمن الصحي الأمريكية خلال السنوات الأخيرة. وذكر أن إدارة ترامب ألغت مكتب الأمن الصحي والاستجابة للأوبئة داخل مجلس الأمن القومي، كما جرى تفكيك "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" (USAID) التي لعبت دوراً محورياً في إدارة الكوارث الصحية السابقة.
وقالت بيث كاميرون إن الإدارة الحالية لا تبدو ملتزمة بخطط الاستجابة التي وضعتها الإدارات السابقة، بينما أشارت ستيفاني بساكي إلى أن التغييرات الواسعة في المؤسسات والكوادر خلقت حالة ارتباك بشأن الجهة المسؤولة فعلياً عن إدارة الأزمة. ورغم دفاع وزارة الخارجية عن مستوى التنسيق الحالي، فإن خبراء الصحة العامة يرون أن غياب فرق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية يقلص قدرة الولايات المتحدة على إدارة الجوانب اللوجستية والعمليات الإنسانية المرتبطة بالأوبئة واسعة النطاق.
أولوية منع الوصول إلى أمريكا
أشار التقرير إلى أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ساهمت بنحو 324 مليون دولار خلال تفشي إيبولا في الكونغو عام 2018، بينما اقتصرت التعهدات الحالية حتى الآن على "عشرات الملايين من الدولارات". وأكد خبراء الأمراض المعدية أن أفضل وسيلة لحماية الولايات المتحدة من الفيروس تبقى احتواء التفشي داخل أفريقيا قبل انتقاله دولياً، وهي القناعة التي ترسخت بعد وصول إيبولا إلى الولايات المتحدة عام 2014 وإصابة عدد من الأمريكيين، بينهم ممرضتان في مدينة دالاس.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن أولوية الإدارة تتمثل في منع وصول إيبولا إلى الأراضي الأمريكية، مضيفاً: "لا نريد أن يتأثر أحد بالفيروس، لكن أولويتنا القصوى ستبقى التأكد من عدم وصوله إلى الولايات المتحدة". ورأى التقرير أن الأزمة الحالية لا تختبر فقط قدرة أفريقيا على احتواء المرض، بل تكشف أيضاً مدى استعداد الولايات المتحدة والعالم للتعامل مع موجات وبائية جديدة في مرحلة تشهد تراجعاً في أنظمة التعاون الصحي الدولي التي تشكلت بعد جائحة كورونا.





