العالم

وصل وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى الجزائر، في زيارة تستهدف استئناف الحوار بين البلدين، في ظل أزمة كبرى في العلاقات تستمر منذ نحو 8 أشهر. وتأتي هذه الزيارة، في سياق النية التي أبداها الرئيسان عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون قبل أيام، لتجاوز صفحة الخلافات وبدء التعاون بشكل متكافئ بين الجانبين.

عند وصوله صباحًا إلى العاصمة الجزائرية، كان في استقبال بارو مدير دائرة أوروبا في وزارة الخارجية الجزائرية، وهو تفصيل حمل دلالات. فقد رأى العديد من المراقبين في هذا الاستقبال إشارة إلى أن الزيارة تتم في سياق أزمة لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين. فالتوجس الجزائري لا يزال حاضرًا، والعلاقات لم تستعد عافيتها الكاملة بمجرد المكالمة بين الرئيسين، إذ لا يزال الجانب الجزائري في انتظار ما سيقدمه الفرنسيون من خطوات عملية قد تعيد بناء الثقة بينهما.
لاحقا، انتقل بارو إلى مقر وزارة الخارجية بأعالي العاصمة الجزائرية، حيث وجد في انتظاره وزير الخارجية أحمد عطاف الذي تبادل معه بعض الحديث، قبل أن يتوسع اللقاء إلى اجتماع بين وفدي البلدين. وكان من بين الحاضرين من الطرف الجزائري الأمين العام لوزارة الخارجية لوناس مقرمان وهو الشخصية الثانية في الوزارة. أما عن الطرف الفرنسي، فقد كان من بين المشاركين السفير الفرنسي ستيفان روماتي، الذي كان قد استدعي مؤخرا عدة مرات في سياق تطورات الأزمة بين البلدين.
وفي الصباح الباكر، حصل الصحافيون على أجندة الزيارة التي كان بينها استقبال للوزير في حدود الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، من طرف الرئيس عبد المجيد تبون في قصر المرادية. وفي الفترة المسائية للزيارة، برمج للوزير لقاء بأعضاء الطاقم الدبلوماسي الفرنسي العامل في السفارة بالجزائر، ولقاء مع الصحافة الفرنسية، قبل أن يغادر الوفد الفرنسي متوجها إلى العاصمة المصرية القاهرة.
ويكمن الهدف المعلن من وراء هذه الزيارة بالنسبة للجانب الفرنسي، في تحديد برنامج عمل ثنائي طموح، وتحديد آلياته التشغيلية، وتطوير أهداف مشتركة وجدول زمني للتنفيذ، وفق ما أوضح كريستوف لوموان المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية الخميس.
ومن أبرز الملفات التي تؤرق الجانب الفرنسي، موضوع استعادة التعاون في مجال الهجرة وتسفير الأشخاص الصادرة في حقهم أوامر بالترحيل. وهذا المطلب يدافع عنه صقور الحكومة الفرنسية من اليمين، خاصة برونو روتايو وزير الداخلية الذي جعل هذا الملف شغله الشاغل في الأشهر الأخيرة، بلغة تصعيدية حادة مع الجزائر.
أما القضية الأخرى التي طرأت في خضم هذه الأزمة، هي تلك المتعلقة بالكاتب الفرانكو جزائري بوعلام صنصال الذي أدين بـ5 سنوات سجنا نافذا في الجزائر مؤخرا بتهم تتعلق بالمساس بالوحدة الوطنية. وتطلب فرنسا الإفراج عن الكاتب الذي تعتبره مسجونا بشكل تعسفي.
لكن الملف الذي لا يقل أهمية، هو وقف نزيف الشركات الفرنسية في السوق الجزائرية. ويقول مسؤولون فرنسيون في هذا الشأن، إن الجزائر تتبنى سياسة تهدف إلى محو الوجود الاقتصادي الفرنسي من البلاد، مع انخفاض التجارة بنسبة تصل إلى 30 بالمئة منذ الصيف.
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤولين، أن تدهور العلاقات له تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية جسيمة، فالتبادل التجاري كبير، ونحو عشرة بالمئة من سكان فرنسا البالغ عددهم 68 مليون نسمة تربطهم صلات بالجزائر.
وذكروا أن الجزائر وضعت عراقيل أمام التراخيص الإدارية والتمويل الجديد للشركات الفرنسية العاملة في البلاد. وكان التأثير الكبير جراء ذلك على واردات القمح، حيث لم تشحن فرنسا سوى سفينة قمح واحدة إلى الجزائر في موسم 2025/2024، وهي شحنة واحدة وزنها 30 ألف طن من القمح في يوليو/ تموز، وهو رقم بعيد جدا عن ملايين الأطنان التي كانت تورد سنويا في السنوات الأخيرة.
ومن الجانب الجزائري، يبدو التركيز في العلاقة على ملف الذاكرة حيث تطالب الجزائر باعتراف كامل بالجرائم الاستعمارية. وكان الرئيسان تبون وماكرون في حديثهما الأخير بمناسبة العيد، قد أعربا عن عزمهما الراسخ على مواصلة هذا العمل المتعلق بالذاكرة وإتمامه بروح التهدئة والمصالحة وإعادة بناء العلاقة التي التزم بها رئيسا الدولتين. ومن هذا المنظور، ستستأنف اللجنة المشتركة للمؤرخين عملها بشكل فوري وستجتمع قريباً في فرنسا، على أن ترفع مخرجات أشغالها ومقترحاتها الملموسة إلى رئيسي الدولتين قبل صيف 2025، وفق البيان المشترك الصادر عن الرئاسة الجزائرية والفرنسية.
ومن القضايا الأخرى التي تقلق الجزائر عدم تجاوب الطرف الفرنسي فيما يتعلق بجهود استعادة المطلوبين في قضايا فساد وقضايا أمنية وعدم المساعدة على استعادة الأموال المنهوبة في فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.
وفي مكالمتهما الأخيرة، أكد الرئيسان على أهمية التعاون القضائي بين البلدين، حيث اتفقا على استئناف التبادل والتعاون في هذا المجال ووافقا على تجسيد الزيارة المرتقبة لوزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، إلى الجزائر. وكانت هذه النقطة محل توتر شديد بعد رفض القضاء الفرنسي تسليم وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب المتهم بـ5 قضايا فساد في الجزائر.
وفي الشق الاقتصادي، تراهن الجزائر على استقطاب استثمارات فرنسية حقيقية وليس مجرد الاكتفاء بدعم التجارة أي تحويل البلاد إلى مجرد سوق للسلع الفرنسية. وأكد تبون وماكرون في هذا السياق، خلال مكالمتهما، على أهمية تطوير التعاون بين البلدين في المجالات المستقبلية، حيث تعهدا بالعمل على تعزيز التجارة والاستثمار في إطار مراعاة مصالح البلدين. وقد أبلغ الرئيس ماكرون الرئيس تبون، في هذا الصدد، بدعم فرنسا لمراجعة اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي.
وكانت العلاقات بين البلدين قد شهدت توترا كبيرا مصحوبا باستدعاء السفير الجزائري وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي في باريس، عقب قرار الرئيس ماكرون الاعتراف بخطة الحكم الذاتي المغربية لإدارة الصحراء الغربية، وهو ما ترفضه الجزائر التي تدافع عن حق الصحراويين في تقرير المصير. وتسببت تطورات أخرى وتصريحات عدائية في استفحال الأزمة التي وصلت حد القطيعة.
وتراجعت حدة التصعيد مؤخرا بعد تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي وجه رسائل تهدئة في تصريحات بثها التلفزيون الجزائري، قائلا إنه لا يكترث “بالفوضى” و”الجلبة السياسية” المثارة في باريس ضد بلاده، وأن المرجع الوحيد الذي يعمل معه هو الرئيس إيمانويل ماكرون، كما نفى أن يكون ملف العلاقات الفرنسية المغربية، بعد الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي، مزعجا للجانب الجزائري، بل للشرعية الدولية على حد قوله.



