تكنولوجيا وعلوم
نماذج أنسجة بشرية على رقاقة تُظهر آلية انتشار سرطان الثدي إلى العظم والرئة
طوّر باحثو جامعة كولومبيا نموذجًا متعدد الأعضاء على رقاقة يحاكي مرحلة غامضة من الانتشار السرطاني، باستخدام أنسجة عظم ورئة وبطانة وعائية بشرية مُصنَّعة من خلايا جذعية مُبرمَجة.

أعلن باحثون في كلية الهندسة بجامعة كولومبيا عن تطوير نظام رقاقي متعدد الأعضاء يُعيد إنتاج إحدى أكثر المراحل غموضًا في عملية الانتشار السرطاني، وذلك عبر تتبع خلايا سرطان الثدي الدائرية وهي تغادر التدفق الوعائي وتتسلل إلى أنسجة عظم ورئة بشرية مُهندَسة. ونُشِرت الدراسة في مجلة Science Translational Medicine في ١٩ أغسطس ٢٠٢٦.
النموذج الأول من نوعه القائم على أنسجة بشرية حية
يتكوّن النظام من أقسام منفصلة تحتوي على أنسجة عظم ورئة بحجم ملليمترات، متصلة بقناة وعائية تتدفق فيها السوائل. ويتجاوز هذا التصميم مجرد وضع الخلايا السرطانية بجانب الأنسجة البشرية؛ إذ يسمح برصد التبادل المستمر للإشارات بين الخلايا الدائرية في التيار الدموي والأعضاء التي قد تستعمرها لاحقًا. ووصفته الباحثة الرئيسية غورديانا فونياك-نوفاكوفيتش، أستاذة هندسة الأحياء الطبية في مؤسسة ميكاتي وأستاذة العلوم الطبية في كلية الطب بجامعة كولومبيا، بأنه «النموذج الأول من نوعه».
وقالت فونياك-نوفاكوفيتش: «كان النقص الحاد في النماذج البشرية التنبؤية التي تتيح مراقبة العملية أثناء حدوثها دافعًا رئيسيًا لبحثنا». وأضافت أن الهدف كان «فحص قدرة الخلايا السرطانية على الالتصاق بالبطانة الوعائية والعبور عبرها، وتحديد قدرتها على البقاء في الأنسجة التي تستعمرها عبر إعادة برمجة الخلايا وإعادة تشكيل البيئة المحيطة بها».
مرحلة الاستعمار العضوي: ما يحدث بعد وصول الخلايا
لا يقتصر انتشار السرطان على وصول الخلايا إلى عضو بعيد، بل يتطلب سلسلة من الخطوات المعقدة: الالتصاق بجدار الأوعية الدموية، والعبور عبر بطانتها، وتجنب الدفاعات المحلية، والتكيف مع بيئة نسيجية غير مألوفة، ثم الانقسام والنمو لتكوين ورم ثانوي. وتُعرف هذه المرحلة باسم «استعمار العضو»، وهي صعبة الملاحظة مباشرةً لدى المرضى أو إعادة إنتاجها بدقة في النماذج الحيوانية.
كما أن الانتشار ليس عشوائيًا، بل يميل لأنواع معينة من الخلايا السرطانية إلى استهداف أعضاء محددة — وهي ظاهرة تُعرف باسم «الانجذاب العضوي». وبما أن سرطان الثدي ينتشر عادةً إلى العظم والرئة، فقد اختيرت هاتان المنطقتان لاختبار مدى قدرة الرقاقة على إعادة إنتاج السلوك الملاحظ سريريًا.
من خلايا جذعية مُبرمَجة إلى أنسجة وظيفية
أنتج الفريق أنسجة العظم والرئة والبطانة الوعائية من خلايا جذعية مُبرمَجة (iPSCs)، والتي يمكن توجيهها لتنمو إلى أنواع خلوية متخصصة عديدة. وساعدت الهياكل الداعمة الخاصة بكل نسيج وأجهزة التحكم الحيوي (bioreactors) في نضج الأنسجة، بينما وفرت الأقسام المنفصلة الظروف اللازمة للحفاظ على وظائفها على المدى الطويل. وبعد ذلك، وُصِفت القنوات الوعائية لتوصيل الأقسام ببعضها.
وقد فصل حاجز بطاني انتقائي نفاذيةً القناة الوعائية الجارية عن أنسجة الأعضاء، تمامًا كما تفعل جدران الأوعية الدموية داخل الجسم. وعند إدخال خلايا سرطان الثدي في التدفق الوعائي، رُصد كيف واجهت الحاجز، وعبرت إلى النسيج المجاور، وأنشأت أنماطًا مميزة للاستعمار.
نتائج تعكس التفضيلات البيولوجية المعروفة
وأظهرت النتائج توافقًا وثيقًا مع التفضيلات المعروفة سريريًا: فالخلايا التي تنتشر عادةً إلى العظم استعمرت العظم المهندس بقوة أكبر وأحدثت فيه تدهورًا أكثر اتساعًا. أما الخلايا ذات الانجذاب للرئة فأحدثت ضررًا أكبر هناك، بينما استعمرت العظم بشكل محدود فقط. وبيّنت الاختلافات في درجة غزو الأنسجة والجزيئات التي تفرزها الخلايا أن الجهاز نجح في التقاط السمات الأساسية للانتشار العضوي المحدد.
إعداد الموقع قبل الاستعمار: ظاهرة ما قبل الانتشار
كما أعاد النموذج إنتاج سمة أكثر خفية في انتشار السرطان: فقبل أن تستعمر الخلايا الورمية العضو البعيد بالكامل، يمكنها إطلاق إشارات تغيّر بيئته وتجعله أكثر استعدادًا للاستعمار. وتُعرف هذه الظاهرة باسم «تشكيل الموقع ما قبل الانتشاري». ووجد التحليل المعمق لكلا القسمين النسيجيَّين أدلةً على أن خلايا سرطان الثدي كانت تُعدّ الأعضاء البعيدة مسبقًا قبل الاستعمار الفعلي.
وأكدت فونياك-نوفاكوفيتش أن «المزايا الأساسية لهذا النموذج المتقدم تكمن في كونه بشريًا ويمكن تخصيصه حسب المريض، وأنه يقلّد بدقة بعض الجوانب الرئيسية لعملية الانتشار البشري التي تظل في الغالب غير قابلة للدراسة المباشرة».
تعاون متعدد التخصصات في كولومبيا
وقد قادت فونياك-نوفاكوفيتش مختبر خلايا الجذع وهندسة الأنسجة في كولومبيا، الذي كان من أوائل المطورين لأنظمة الفيزيولوجيا الدقيقة (microphysiological systems)، والمعروفة باسم «الأعضاء على الرقاقة». وشارك في المشروع باحثون من مركز هيربرت إرفنج الشامل للسرطان في كولومبيا، ومنهم أندريا كاليفانو، أستاذ الكيمياء والأحياء النظامية، وبيتر سيمز، أستاذ الأحياء النظامية المساعد، وهانينا هيبشووش، أستاذ علم الأمراض وعلم الأحياء الخلوي.
أما إيلاريا بالداساري، طالبة دكتوراه في كلية الهندسة بجامعة كولومبيا والمؤلفة المشاركة الأولى في الدراسة، فقالت إن المنصة تُظهر عمليًا كيف يمكن لهذا النهج الناشئ أن يعمل في الواقع. وأضافت: «وبما أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) والمعهد الوطني للصحة (NIH) يوليان تركيزًا متزايدًا على منهجيات جديدة، فإن هذه الدراسة تمثل مثالًا ملموسًا على شكل هذا التحوّل العملي، مطبّقًا على واحدة من أكثر سمات السرطان تحديًا: الانتشار».
ونُشر البحث تحت عنوان «الاستعمار العضوي المحدد والتعديل البيئي في نموذج أنسجة بشري لعملية الانتشار»، وشارك في تأليفه آلان جي. كراميتش وإيلاريا بالداساري وإيجي أوزتورك ودانيال نافيد تافاكول وميراندا سي. وانغ وماكس سامرز وكيث ييجر وريتشارد ز. زهوانغ وأنوشكا سريفاستافا وسومناس تاغور وديوغو تيليس وهانينا هيبشووش وأندريا كاليفانو وبيتر أ. سيمز وغورديانا فونياك-نوفاكوفيتش. وتم تمويل الدراسة من قِبل المعهد الوطني للسرطان التابع للمعهد الوطني للصحة (NIH/National Cancer Institute) ومبادرة تشان زوكربيرغ.





