ثقافة ومجتمع
التعلق والانفِرار والجهل: الأسباب الثلاثة للعذاب البشري
يحلّل بن بيرنشتاين، عالم نفس أداءٍ وشخصٌ في مرحلة التعافي من إدمانين، الأسباب الثلاثة للعذاب البشري وفقًا لتعاليم البوذية: التعلق، والانفِرار، والجهل، مُربطًا إياها بممارسته المهنية وتجربته الشخصية.

يُركّز بن بيرنشتاين الحاصل على درجة الدكتوراه في علم النفس على تحليل الأسباب الجذرية للعذاب البشري، مستندًا إلى ما استوعبه خلال رحلة تأمل صامتة مدتها عشرة أيام في شمال الهند في أواخر يناير. وقد قدّم له المُدرّب في تلك الرحلة الأسباب الثلاثة للعذاب كما وردت في تعاليم بوذا قبل ألفي عام ونصف.
التفسير الشخصي للأسباب الثلاثة
يعرّف بيرنشتاين التعلق بأنه الانجذاب إلى ما نريده أن يحدث أو أن يكون عليه الواقع: السعادة، الثروة، النجاح، سيارة معينة، منزل معيّن، سلوك محدّد لأبنائنا، معاملة أفضل من الزوج أو الزوجة، أو لطف أكبر من رب العمل. أما الانفِرار فهو العكس تمامًا: رفض ما هو كائن، مثل البرد الخارجي، أسلوب حديث الزميل، أو ضيق ذات اليد. وهو يشمل كل ما نرغب في أن يختلف لأنه لا يُرضينا أو لا يُحقّق ارتياحنا أو اكتمالنا.
أما الجهل، فيصفه بيرنشتاين بأنه أكثر غموضًا في البداية، لكنه بعد التأمّل طوّر فهمه الخاص له: إنه الفشل في إدراك أن كل شيء في حالة تغير دائم، وأن كل لحظة هي لحظة جديدة، وكل نفسٍ هو نفسٌ جديد. ويستشهد بتشبيه الفيلم: فالصورة المتواصلة على الشاشة ليست سوى سلسلة من الإطارات المنفصلة، وكل إطار يمثل لحظة قائمة بذاتها.
اللحظة الراهنة وأداء الإنسان
ويوضح بيرنشتاين كيف تتصل هذه المفاهيم بعمله كخبير في علم نفس الأداء، حيث أمضى أربعين عامًا في دراسة متطلبات الأداء الأمثل لدى الرياضيين الأولمبيين، والجراحين، ومقدمي الرعاية الطارئة، وغيرهم ممن يتطلب عملهم التألق تحت ضغوط بالغة. ويعتبر "الوجود في اللحظة الراهنة" جوهر هذا العمل.
فأداء السباحة الأولمبية لا يعتمد على ما حققته الرياضية في المنافسة السابقة أو ما ست log عليه غدًا، بل على تركيزها الكامل في اللحظة الراهنة، وبذل كل مهارتها وموهبتها وعزيمتها فيها. ويذكر مثال شاكيل أونيل الذي حقّق نسبة 52.7% في رميات الجزاء خلال مسيرته رغم تمكّنه منها في التدريب، مشيرًا إلى أن التعلق بما حدث سابقًا، والانفِرار مما يحدث الآن، ونسيان أن كل لحظة جديدة — كلها عوامل تبعد الإنسان عن الحاضر.
الرؤيويون المؤسسون والضغوط المُدمِّرة
وفي السنوات الأخيرة، حوّل بيرنشتاين تركيزه المهني نحو المؤسسين ذوي الرؤية، أي أولئك الذين يحملون فكرة منتج أو خدمة قادرة على مساعدة البشرية فعليًّا، خاصة الفئات التي لا تستطيع تحمل تكاليف السلع أو الخدمات المتاحة لذوي الامتيازات. لكن هؤلاء المؤسسين يواجهون ضغوطًا هائلة، وقد يعودون إلى سلوكيات إدمانية كالكحول أو المخدرات أو المواد الإباحية أو القمار أو غيرها هروبًا من مشاعرهم.
ويشير إلى أن العمل معهم يركّز على كسر العادات غير المنتجة التي تنبع من التعلق والانفِرار والجهل، ليكونوا حاضرين تمامًا في مواجهة كل تحدٍّ يظهر أمامهم، سواء كان مرغوبًا أم غير مرغوب، كبيرًا أم صغيرًا.
الإدمان والتعافي كتجربة شخصية
ويستند بيرنشتاين في تحليله إلى تجربته الشخصية في التعافي من إدمامين، وهو في مرحلة تعافٍ منذ 37 عامًا، ويحضر اجتماعات الخطوات الاثني عشر بانتظام. ويرى أن حكمة عبارة "يومًا واحدًا في المرة الواحدة" تعكس بدقة ما أشار إليه بوذا: فكل يوم جديد، وكل يوم يحمل إمكانات جديدة.
ويؤكد أن التعلق والانفِرار عميقان جدًّا في أي عملية إدمانية. ويقول إن جذرًا عميقًا للإدمان هو عدم رضا الشخص عن ظروفه وحياته، وبحثه عن تخفيف سريع عبر الكحول أو المخدرات أو المواد الإباحية أو القمار أو التسوق أو أي وسيلة تمنحه "جرعة" فورية. وهكذا يتكوّن دورة سامة: انفِرار ("لا أطيق حياتي، ولا أحب نفسي")، تعلق ("هذا ما أحتاجه لأشعر بالتحسن")، وجهل ("لن أخرج من هذا أبدًا").
التحرر عبر اللحظة
والوسيلة الوحيدة لكسر هذه الدورة هي يومًا بعد يوم، وفعلًا بعد فعل، ولحظة بعد لحظة: ألا يشرب الشخص الكأس، ألا يدخل الموقع الإباحي، ألا يضع الرهان التالي. الآن. في هذه اللحظة بالضبط. وفي الحاضر فقط يمكن إخراج سبب العذاب — الجهل — من الظلام إلى النور: ما القصة التي أرويها لنفسي باستمرار؟ وكيف أعيد تشغيلها مرارًا وتكرارًا؟
ولكي لا نغرق في رمال قصصنا المتحكّمة — مثل "أريد دائمًا أن أكون بهذه السعادة" (تعلق)، أو "حياتي فوضى، ولا أستطيع تحملها بعد الآن" (انفِرار) — يجب أن نتجاوز جهلنا بكيفية عمل الحياة: فهي لحظة جديدة تليها لحظة جديدة، شهيق ثم زفير، وميض عين، ونسمة هواء تلامس الوجه. ويمكننا حينها كسر سلاسل الذات التي تُدار بالقصص، ونعيش الحياة التي خُلقنا من أجلها.





