Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

ثقافة ومجتمع

التفكير والإبداع يتطلبان تفاعلًا مع أشخاص خارج دائرتنا المعتادة

التفاعل مع أفكار وأشخاص من مجالات مختلفة يعزز التفكير الإبداعي ويكسر تحيزاتنا الذهنية المعتادة.

··قراءة 3 دقائق
التفكير والإبداع يتطلبان تفاعلًا مع أشخاص خارج دائرتنا المعتادة
مشاركة

قد نجد أنفسنا عالقين في أنماط تفكير متكررة، حتى مع امتلاكنا لعادات قوية في التركيز والإنتاجية، حيث تتكرر حلولنا ونلجأ لنفس الأشخاص للحصول على وجهات نظر.

تُعد استراتيجية التلقيح المتبادل بين الأفكار من مجالات مختلفة وسيلة نفسية فعالة لكسر الجمود الفكري، إذ تتيح لنا التعرف على طرق تفكير جديدة وشركاء تعاون مختلفين.

اكتشف كلارنس بيردساي هذه الفكرة قبل أكثر من مئة عام، عندما لاحظ خلال رحلته مع شعب الإنويت في كندا عام 1915 طريقة تجميدهم السريعة للأسماك في مياه بدرجة حرارة -40 مئوية، مما حافظ على نسيج الأسماك بعد إذابتها. استلهم بيردساي من هذه الملاحظة تقنية التجميد السريع التي غيرت صناعة الأغذية المجمدة.

يُطلق توم كيلي، المؤسس المشارك لشركة IDEO، على مثل هؤلاء الأشخاص اسم "الملقحين المتبادلين"، وهم من يخلقون أفكارًا جديدة ومحسنة من خلال الجمع غير المتوقع بين مفاهيم تبدو غير مرتبطة.

تُساعد هذه الطريقة على كسر تحيزات معرفية شائعة مثل تحيز الألفة، حيث نميل إلى اختيار المألوف واتباع نفس الطرق في حل المشكلات، وتحفظ الذهنية التي تدفعنا لمحاولة حل المشكلات الجديدة بنفس الأساليب السابقة.

من خلال الجمع بين أشخاص ومجالات مختلفة، تتيح التلقيح المتبادل كسر هذه الأنماط الفكرية الجامدة.

عملت مع فرق على إيجاد بيئات تشجع التلقيح المتبادل، لكن يمكننا أيضًا النظر في طرق أخرى لتحقيق ذلك.

شروط نجاح التلقيح المتبادل

في دوائر العمل الجماعي والمجموعات التي شكّلتها، حرصت على جمع أفراد متنوعين قادرين على التعاون في ظل ظروف معينة، يصف المشاركون هذه الحالة بـ"الكيمياء".

أظهرت دراسة أجريت عام 2025 حول التعاون المدني أن عناصر مثل التجريب، والتأمل، والشمول، والثقة، وبناء العلاقات مع مرور الوقت، هي شروط أساسية لنجاح التعاون بين القطاعات.

وعلى الرغم من أن الدراسة ركزت على الابتكار المدني، إلا أن هذه الشروط تنطبق على فرق العمل، والمجموعات الاستشارية، والفصول الدراسية، والدوائر التي عملت معها، حيث يحتاج المبدعون إلى بيئات تسمح بتبادل وجهات نظر متنوعة بصدق لتغيير بعضها البعض.

وأظهرت دراسة متعددة التخصصات عام 2024 أن التعاون بين الفنانين، والمعلمين البيئيين، وممارسي الرفاهية يعزز التعلم، والعلاقات، والرفاهية، إذ يؤكد المشروع أن التلقيح المتبادل لا يغير فقط ما نفكر فيه، بل يؤثر أيضًا على كيفية تعاملنا مع بعضنا البعض.

ممارسات لتعزيز التلقيح المتبادل

يمكن تجربة ثلاث ممارسات لتعزيز التلقيح المتبادل وإدخالها في فرق العمل أو مجموعات الاستشارة:

أولًا، توسيع مصادر المعلومات التي تتعرض لها. اقرأ في مجالات خارج تخصصك، واحضر مؤتمرات من صناعات مختلفة، وتتبع فضولًا جادًا تجاه موضوع جديد دون انتظار فائدة عملية فورية. يبدأ التلقيح المتبادل بالانفتاح على الأفكار قبل تقييمها، وهو شكل من أشكال التعجب وممارسة تعليق اليقين مؤقتًا.

ثانيًا، توسيع نطاق المحادثات. ابحث عن أشخاص يفكرون بشكل مختلف، وليس فقط من يوافقونك الرأي. اطرح أسئلة مفتوحة لا تتطلب إجابات سهلة، وابقَ مع حالة عدم اليقين لفترة أطول قبل التسرع في استنتاجات.

في صف دراسات عليا في إدارة الأعمال، شرحت للطلاب أن الفضول الجذري هو انضباط الاهتمام بمشكلة لفترة كافية لاستكشاف أفضل الخيارات قبل التسرع في الحل، وهو جانب نشط من التعجب الذي يشكك في الوضع القائم.

تخيل محاميًا ومدرب قيادة يتبادلان الأفكار حول تحديات عملهما، حيث قد يقدم المحامي رؤية جديدة للمدرب قد تؤدي إلى تطبيقات مبتكرة عبر الصناعات.

إذا كنت تعمل مع مستشار أو مدرب أعمال، فابحث عن شخص ذو خلفية متنوعة لا يقيد تفكيرك أو وضعك.

ثالثًا، بناء دائرة تلقيح متبادل. كوّن مجموعة تقدر وجهات النظر المتنوعة والمتعمقة. على مر السنين، اقتنعت بأن القيمة الكبرى لمجموعة العمل المستمرة ليست فقط المحاسبة، بل التلقيح المتبادل المستمر.

يتعلم الأعضاء تدريجيًا عن بعضهم البعض بما يكفي لترجمة الأفكار عبر المهن، حيث يعيد موسيقي صياغة تحدي قيادي، ويجد معلم حلولًا لمشكلة تجارية. تتحقق هذه التبادلات فقط عندما يثق الأعضاء ببعضهم البعض بما يكفي لتقديم الأفكار بسخاء وتلقيها بعناية.

يمكن لمجموعة منظمة جيدًا أن تتحول إلى نظام بيئي حي وغرفة تلقيح متبادل تتميز بالأمان النفسي، والانتماء، والشجاعة.

يقضي بعضنا سنوات منتصف العمر في تحسين خبراته، لكن ربما يكمن الاختراق القادم في السماح لتفكيرنا بالتأثر بشخص لم نكن نتوقعه. نحن مخلوقات متنوعة وعجيبة، فلماذا لا نستفيد من مثل هذا النظام البيئي المعرفي بين الحين والآخر؟

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة