ثقافة ومجتمع
الليثرومانسيّون يشعرون بالجذب الرومانسي تجاه الآخرين، لكنهم لا يرغبون في أن تُردّ هذه المشاعر، وهي هوية رومانسية مُميَّزة تُبرز تنوُّع تجارب الحب الإنسانية.

يُعرَّف الشخص الليثرومانسيّ بأنه من يشعر بمشاعر رومانسية تجاه آخرين، دون أن يرغب في أن تُردّ هذه المشاعر. ويشكّل هذا التوجُّه الرومانسي أحد أشكال التنوُّع في طريقة تجربة الحب والانجذاب لدى البشر، ولا يرتبط بأي شكلٍ من الأشكال بالخوف من الالتزام أو الانغلاق العاطفي أو غياب الجذب الرومانسي تمامًا.
بينما يتصوَّر الكثيرون الحب والعلاقات على أنها تتمحور حول التبادل المتبادل للمشاعر، فإن تجربة بعض الأشخاص تختلف جذريًّا في هذا السياق. فالليثرومانسيّون يشعرون بالانجذاب الرومانسي تجاه الآخرين، وقد يحلمون بشخصٍ معين، ويستمتعون بصحبته، ويشعرن تجاهه بمشاعر رومانسية حقيقية. غير أنهم لا يطمحون إلى أن تُقابل هذه المشاعر من قِبل الشخص الآخر، بل قد يشعرون بعدم الارتياح أو اللامبالاة عند توقُّع أو تحقُّق ردّ الفعل الرومانسي.
ويعود أصل مصطلح «ليثرومانسي» إلى الكلمة اليونانية «ليثوس» التي تعني «الحجر»، وتشير إلى ثبات مشاعر الليثرومانسيّين رغم تلقّيهم عبارات الحب أو الإشارات العاطفية من الآخرين.
لا تُعدّ الليثرومانسيّة مرادفًا للتجربة الرومانسية السائدة، المعروفة باسم «أولورومانتيك»، والتي تتضمّن الرغبة في تبادل المشاعر الرومانسية وتطور العلاقة وفق النموذج التقليدي. كما أنها تختلف اختلافًا جوهريًّا عن «الأرومانسيّة»، إذ لا يشعر الأرومانسيّون بأي انجذاب رومانسي على الإطلاق، بينما يشعر الليثرومانسيّون بهذا الانجذاب، لكن دون رغبة في مقابلته.
وتتميّز الليثرومانسيّة أيضًا عن «الديمورومنتيك»، الذين لا يشعرون بالانجذاب الرومانسي إلا بعد تكوين ارتباط عاطفي عميق، وعن «الغريرومانتيك»، الذين يشعرون بالانجذاب الرومانسي بشكل نادر أو خفيف، لكنهم قد يكونون منفتحين على تبادله حين يظهر، على عكس الليثرومانسيّين الذين لا يرغبون في ذلك مبدئيًّا.
من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا أن الليثرومانسيّين لا يسعون إلى إقامة علاقات أصلًا، مع أنهم قادرون على بناء علاقات غنية ومُرضية، وإن اختلفت هيكلتها عن العلاقات الرومانسية التقليدية بسبب غياب الرغبة في المقابل الرومانسي.
كذلك، لا تمثّل الليثرومانسيّة خوفًا من الالتزام أو القرب العاطفي، فهي ليست حالة نفسية قائمة على الخوف، بل هي طريقة مُحدَّدة في تجربة الجذب الرومانسي وتنظيم الرغبة فيه. كما أن ظهور المصطلح حديث نسبيًّا — خلال العقد الماضي تقريبًا — لا يعني أن التجربة نفسها جديدة، بل إنها كانت موجودة عبر التاريخ، وإن افتقرت إلى التسمية الدقيقة حتى وقت قريب.
وتؤكّد لورا هاريس، المستشارة النفسية الإكلينيكية المرخَّصة في «ثرايف ووركس»، أن كثيرين ممن يستوفون تعريف الليثرومانسيّة لا يعرفون المصطلح أصلًا، وغالبًا ما يواجهون صعوبة في العثور على مجتمعات تدعم تجربتهم وتُقرّ بها.
يعيش الليثرومانسيّون في مجتمع يركّز بشكل كبير على الحب المتبادل كمعيارٍ أساسي للعلاقات، ما يعرّضهم لسلسلة من التحديات: فقد يُساء فهم مشاعرهم أو تُهمَّش صحتها، ما يولّد شعورًا بالعزلة أو عدم التقدير. كما قد يتعرّضون لضغوط خارجية وداخلية للانصياع للقوالب التقليدية في العلاقات، ما يؤدي إلى ضغوط نفسية وازدواجية في الهوية وشكٍّ في الذات.
وبالإضافة إلى ذلك، يصعب أحيانًا تشكيل العلاقات أو الحفاظ عليها، إذ قد تثير فكرة أو واقع المقابل الرومانسي الانزعاج، ما يجعل التنقّل داخل الإطار الرومانسي التقليدي أمرًا معقّدًا. ويزيد من هذه الصعوبات غياب التمثيل الإعلامي لهذه التجربة، حيث تهيمن السرديات التي تدور حول الحب المتبادل، ما يعمّق الشعور بالاستبعاد.
كما قد تتسبّب سوء التفسيرات في وضع تسميات خاطئة، مثل وصف الليثرومانسيّين بأنهم «يخشون الالتزام» أو «يُضيّعون وقت الآخرين» أو «عاجزون عن الحب»، ما يؤثّر سلبًا على صورتهم الذاتية ويزيد من الضغط النفسي.
يكتسب التواصل الصريح أهمية بالغة في العلاقات التي يشارك فيها ليثرومانسي. ومن المفيد مناقشة هذا التوجُّه مبكرًا في العلاقة لوضع توقعات واقعية وتحديد الحدود بوضوح. كما أن التعامل مع سوء الفهم أو سوء التواصل يتطلب الصبر والانفتاح والرغبة في الحوار المستمر.
ويشمل التنقّل في العلاقات إدارة التوقعات من كلا الطرفين، عبر مناقشة ما يريده كلٌّ منهما من العلاقة وكيف يمكن تلبية الاحتياجات المختلفة. وفهم أن العلاقات قد تأخذ أشكالًا متعددة خارج الإطار الرومانسي التقليدي يفتح آفاقًا جديدة لإقامة روابط مُرضية.
كذلك، يُعدّ الانضمام إلى مجتمعات داعمة — سواء عبر الإنترنت أو في المجموعات المحلية — مصدرًا مهمًّا للإرشاد والتجارب المشتركة، ويساعد في تطوير استراتيجيات فعّالة للتنقّل في العلاقات.
يدور دعم الشخص الليثرومانسي حول خلق بيئة تقوم على القبول والتفهم والتعاطف. ومن أبرز طرق الدعم: التثقيف الذاتي عبر مصادر موثوقة، وإجراء حوار مفتوح ومحترم حول تجربتهم، وإقرار صحة مشاعرهم دون تقليل منها أو اعتبارها «مرحلة عابرة».
كما يشمل الدعم تحدي الصور النمطية والمفاهيم الخاطئة عند ظهورها، والدعوة إلى إدراج التنوّع الرومانسي في الخطاب الإعلامي والاجتماعي، واستخدام لغة شاملة تشجّع الآخرين على اعتمادها. ويوفر الدعم العاطفي والتقدير العملي — مثل التذكير بأهميتهم ومساعدتهم في التغلب على مظاهر الاستبعاد — فرقًا حقيقيًّا في تجربتهم اليومية.
وتؤكد هاريس أن إدماج الليثرومانسيّين وجعلهم يشعرون بالقيمة والانتماء يتمّ عبر التعرف على مواطن النقص في التمثيل وزيادة الفرص المتاحة لهم للمشاركة في المجتمع.
تشمل الموارد المتاحة لمن يبحث عن مزيد من المعلومات أو الدعم: شبكة الرؤية والتثقيف حول الأسيكسوال (AVEN)، التي تستضيف أكبر مجتمع إلكتروني عالمي للأسيكسوال والأرومانسيّين، وتوفّر مواد غنية حول مختلف التوجّهات الرومانسية، بما فيها الليثرومانسيّة. كما تقدّم منظمة «تريفور بروجيكت» الأمريكية خدمات تدخل أزمات ومنع الانتحار للمجتمعات المثلية والجندرية تحت سن ٢٥ عامًا. وتوفر المراكز المحلية للمجتمعات المثلية موارد وفعاليات داعمة ومجموعات نقاش واستشارات نفسية. ومن الكتب ذات الصلة كتاب «التوجّه غير المرئي» لجولي سوندرا ديكر، الذي يتناول الأسيكسوال والأرومانسيّة وغيرها من التوجّهات المرتبطة.
وفي النهاية، فإن استكشاف الذات أو دعم الآخرين يبدأ دائمًا بالمعرفة والتعاطف والاتصال الصريح، وكل تجربة فريدة في الحب والانجذاب لها شرعيتها الكاملة.
العالم
اخبار لبنان
اخبار لبنان
العالم