ثقافة ومجتمع
عندما غادر رومان دوبيك وزوجته مونيكا سان فرانسيسكو إلى دنفر للعمل من المنزل على بعد ألفي كيلومتر من المكتب، حسبا أن الوضع سيستمرّ ستة أشهر كحدّ أقصى، لكن تبيّن لهما أن نمط العيش هذا سيستمرّ لفترة خصوصا في ظلّ انتشار المتحورة دلتا.

في الولايات المتحدة، تؤجّل الشركات الواحدة تلو الأخرى موعد عودة موظّفيها إلى المكاتب، خشية تفشّي موجة جديدة من الإصابات.
\nلكن كما حال رومان وزوجته، أعدّ أميركيون كثيرون العدّة لسنة ثانية من العمل عن بعد، مستبعدين العودة إلى المكتب ومستمتعين بنمط العيش هذا على الصعيدين المهني والشخصي.
\nوخلال الأسبوع الماضي، سُجّل ما يعادل 113 ألف حالة يومية من كوفيد-19 في الولايات المتحدة، في ارتفاع نسبته 24 % بالمقارنة مع المعدل الذي كان سائدا خلال الأيام السبعة السابقة، بحسب ما قالت الخميس روشيل والنسكي مديرة مراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها (سي دي سي) وهي أبرز هيئة فدرالية للصحة العامة في الولايات المتحدة.
\nوهو تطوّر خطر في نظر "فيسبوك" التي أعلنت في اليوم عينه أنها أرجأت عودة موظّفيها إلى المكاتب إلى كانون الثاني 2022.
\nوقالت ناطقة باسم الشركة "هي المعطيات وليس التواريخ التي تؤثّر على مقاربتنا بشأن العودة إلى المكاتب"، مؤكدة أن الأولوية تقضي بتأمين "سلامة الجميع".
\nوقبل بضعة أسابيع لا غير، بدت الشركة جدّ متحمّسة للعودة إلى سابق عهدها مع الإعراب عن نيّتها فتح مكاتبها بالكامل بحلول تشرين الأول وفرض التلقيح ووضع الكمّامات.
\nوالتحقت "فيسبوك" من ثمّ بركب "مايكروسوفت" و"أمازون" و"أميريكن إكسبرس" وقناة "ان بي سي" على سبيل المثال لا الحصر، وهي كلّها أرجأت إلى تشرين الأول أو كانون الثاني حضور الموظفين إلى المكاتب.
\nبالنسبة إلى رومان دوبيك (34 عاما) المحلّل المالي لدى فرع من مصرف "بي ان بي باريبا" الفرنسي وزوجته مونيكا الموظّفة في "فيسبوك"، لم تعد العودة إلى المكتب خيارا واردا.
\n \nوصحيح أن مونيكا خسرت 10 % من راتبها بسبب نقل موقع عملها، لكنها قد عوّضت الفارق بفضل نوعية العيش وكلفة السكن، إذ إن الإيجارات في كولورادو أرخص بمرّتين أو ثلاث مرّات مما هي في كاليفورنيا، فضلا عن ضرائب أكثر انخفاضا.
\nوالأهمّ هو أنه لم يعد عليها أن تتحمّل التنقل ثلاث ساعات في الحافلة يوميا.
واستغرق الأمر فترة أطول بقليل كي يغادر أورين كلاشكين (35 عاما) الخبير الاقتصادي في "أكسفورد إيكونوميكس" مانهاتن في نيويورك.
\nلكن عندما ضربت موجة جديدة من الوباء الولايات المتحدة في الخريف، بات الأمر جليّا في نظره باعتبار "أنها فرصة تحدث مرّة واحدة في الحياة أن تعيش في مكان آخر وتحافظ على عملك".
\nوهو كان يتشارك مع زوجته نيكول، المستشارة البالغة من العمر 35 عاما شقّة صغيرة في نيويورك.
\nأما في بولدر، على مقربة من دنفر، فقد بات لهما "منزل صغير" وغرفة للعمل لكلّ منهما.
\nويقرّ الخبير الاقتصادي "أحبّ حياتي الجديدة هنا ويحلو لي أن أعمل مع القيام بأنشطة في الهواء الطلق".
\nوقد سمح له العمل من منزله في كولورادو أن يوازن بشكل أفضل بين حياته الشخصية ومسيرته المهنية، في حين أنه كان يضيّع في السابق ساعة ونصف ساعة في المترو على الأقلّ كلّ يوم، بحسب ما يقول.
\nوهو يشير "لا شكّ في وجود بعض المساوئ الناجمة عن عدم القدرة على التواصل وجاهيا مع الزملاء، غير أن برمجيات متعددة تتيح لنا... الحفاظ على هذا التفاعل حتّى لو لم نكن موجودين في الموقع عينه".
\nفي نظر رومان دوبيك، ليس موقع العمل هو المهّم بقدر ما هو العمل المنجز.
\nوهو يقول "بالنسبة لي، جلّ ما أحتاجه هو شبكة إنترنت جيّدة واحترام توقيت سان فرانسيسكو"، لكنّه يقرّ بأنه من غير الممكن مزاولة بعض الأعمال من البيت.
\nويلفت دوبيك إلى العلاقة القائمة على الثقة بين العامل وصاحب العمل. فالشركة تجيز العمل من بعد لأنها تكسب أيضا من هذه المعادلة من خلال تخفيض تكاليفها الثابتة، لكن الموظّف يلتزم ضمنا بالعمل بالقدر عينه من الجدّية كما لو كان في القاعة عينها مع مديره.
\nأما أورين كلاشكين، فهو يرى من جهته أنه أكثر إنتاجية بما أنه لم يعد يتكبّد عناء التنقّل من منزله.



