ثقافة ومجتمع
يُركّز خبير التنمية الأسرية جيفري برنستاين على ضرورة ربط الدعم المالي للأبناء البالغين بخطة عمل محددة، لا بعبارات عامة مثل «حتى يستقر وضعك».

في جلسات الاستشارة الأسرية التي يعقدها الخبير النفسي جيفري برنستاين، تظهر مسألة الدعم المالي للأبناء البالغين كعامل حاضرٍ دائمٍ، حتى حين لا يُذكر صراحةً. ويشير برنستاين إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، إذ سبق وأن غنّت فرقة «بينك فلويد» عام ١٩٧٣ عن القبضة الغريبة التي يمارسها المال على التفكير الإنساني، وهو ما يسمعه اليوم في كل جلسة تقريباً مع آباء وأمهات يعانون من تعلّق أبنائهم البالغين بالدعم المالي دون تقدّم ملموس.
يقدّم برنستاين أمثلة مأخوذة مباشرةً من تجربته العملية في تدريب الآباء (مع تغيير الأسماء لحفظ الخصوصية). فروجر، والدٌ في إحدى الحالات، أخبره بأنه «قدّم دعماً بسيطاً» في إيجار ابنه جيك البالغ من العمر ٢٧ عاماً — لكن هذا الدعم استمرّ تسعة أشهر متتالية. وفي حالة أخرى، ذكرت لويسا، وهي أم، أنها تغطي دفعة قسط سيارة ابنتها ليلي «حتى تستقر أوضاعها»، وهي العبارة نفسها التي استخدمتها طوال عامين متتاليين.
ويوضح برنستاين أن هذين الوالدين لم يقصدا أبداً إنشاء حالة اعتماد، بل تصرّفا بدافع الحب، لكن الدعم المالي المتكرر أصبح بديلاً عن الحوار الصريح حول أسباب توقف الابن أو الابنة عن التقدّم. ويؤكد أن معارضته ليست للمساعدة المالية ذاتها، بل لاستخدام المال كغطاءٍ لغياب المحادثة الصعبة حول العوائق الحقيقية التي تحول دون نمو الشخص البالغ.
ويصف برنستاين الفخ الذي يقع فيه كثير من الآباء بأنه «إنقاذ مالي بدون هيكل تنظيمي»، موضحاً أن هذا النوع من الدعم لا يفشل فقط في حل المشكلة، بل قد يزيل تلقائياً الإحساس بالانزعاج الذي يحفّز التغيير. فحين يُدفع الإيجار بغضّ النظر عن أي ظرف، لا توجد عواقب طبيعية تدفع الابن للبحث عن وظيفة. وحين تظهر دفعة القسط شهرياً دون شرط، لا توجد ضغوط تدفع الابنة لتعلّم إدارة الميزانية. فالآباء لا يشترون السلام، بل يشترون وقتاً إضافياً داخل نفس النمط الجامد.
ويحذّر برنستاين من التطرّف المقابل، أي قطع الدعم فجأة، مشيراً إلى أن هذه الاستجابة تؤدي في كثير من الحالات إلى نتائج عكسية، حيث يشعر الابن البالغ بالإهمال بدل التحدي، فيزداد انزواءً وانحرافاً أكثر من استقامة. والحل ليس بين الإنقاذ المطلق والرفض المطلق، بل هو في تقديم الدعم ضمن هيكل واضح، يجمع بين التعاطف والإلهام، ويتمثّل في قول «نعم، ولكن بشروط متفق عليها» بدل تقديم إنقاذ غير مشروط.
ويشرح برنستاين في كتابه «ماما، بابا، أعدكم بأن أسدد لكم» كيف يمكن للأسر أن تحلّ استراتيجيات الدعم المرتكزة على الحدود محل العطاء المبني على الشعور بالذنب. والمفتاح هنا هو تقديم أدوات تُحرّك الابن البالغ نحو الأمام، بدل تمويله بصمت في مكانه دون تقدّم.
ويقترح استراتيجية عملية عند تلقي طلب مالي: بدل أن يسأل الوالد «كم المبلغ الذي تحتاجه؟»، عليه أن يقول «لنفكر معاً في ما قد يحقّق تقدّماً حقيقياً لك. وبتأمّل الضغوط التي تواجهها الآن، ما الخطوة التالية التي تراها مناسبة؟». وهذه التحوّل البسيط في الصيغة اللغوية ينقل الحوار كاملاً من سياق الإنقاذ إلى سياق الشراكة.
ويختتم برنستاين بالقول إن المال قد لا يشتري السعادة، كما تقول المقولة، لكنه حين يُسلّم بطريقة خاطئة، قد يشتري بصمت حالة الجمود بدل التقدّم. والحل ليس في توسيع الميزانية، بل في وضع خطة واضحة وقابلة للتنفيذ.
اخبار لبنان
العالم
العالم
اخبار لبنان