اخبار لبنان
80 مليار دولار ضائعة في لبنان… حاكم مصرف لبنان يكشف الحقيقة الصادمة
عقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لقاءً مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، حضره النواب: فريد البستاني، نقولا الصحناوي، طوني فرنجية، فيصل الصايغ، أمين شري، ميشال الدويهي، وضاح صادق، الياس حنكش ورازي الحاج، ومدير المجلس الدكتور محمد سيف الدين، ورئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس، ورئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو، ورئيس "إيدال" الدكتور ماجد منيمنة، ونائب رئيس هيئة الأسواق المالية الدكتور محمود جباعي. وتحدث عربيد عن "أهمية التعديلات المرتقبة على مشروع قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع"، مؤكداً "ضرورة حماية حقوق المودعين وإقرار آليات استردادها، وإعادة تنشيط التسليف للقطاع الخاص كمدخل لتحفيز النمو والاستثمار، والانتقال التدريجي من اقتصاد النقد الورقي إلى اقتصاد يعتمد على المدفوعات الرقمية".
سعيد
من جهته، قال حاكم مصرف لبنان: "لقد مضت ست سنوات منذ أن أصبح الانهيار المالي - المصرفي أمراً لا يمكن إنكاره، ست سنوات من الشلل والتعطيل والحروب، ومن الضغوط اليومية الآتية من كل اتجاه: من الدولة، ومن مجلس النواب، ومن المصارف، ومن صندوق النقد الدولي. وقبل كل شيء، من المطالبات المحقة للمودعين الذين ائتمنوا هذا النظام على جنى أعمارهم".
وقدم "عرضا منهجيا يتناول تشخيص الأزمة، والحلول المقترحة، والإطار التشريعي المطلوب، والجدول الزمني الواقعي، إضافة إلى الحقائق الأساسية التي لا يمكن لأي معالجة أن تنجح من دون الانطلاق منها"، وقال: "إن الأزمة المالية المصرفية في لبنان هي، من الناحية التقنية، أزمة نظامية بكل ما للكلمة من معنى، وقد تم توصيفها على هذا النحو من قبل العديد من الخبراء محليا ودوليا. كما أقر بها أخيراً صندوق النقد الدولي".
وأشار إلى أن "المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها البعض وصولاّ الى انهيار شامل"، وقال: "إن الحقائق الأساسية في هذا السياق لا تحتمل أي تجميل: نحو 80 مليار دولار من الخسائر في القطاع المصرفي، أُودِعت بمعظمها من قبل المصارف لدى مصرف لبنان، تخلف الدولة عن سداد سندات اليوروبوندز في آذار 2020، بالتوازي مع انهيار قيمةسندات الخزينة بالليرة اللبنانية التي كانت تساوي ضعف قيمة سندات اليوروبوندز، انهيار سعر صرف العملة الوطنية بأكثر من 98%، وظهور أسواق موازية تعمل خارج الأطر الشرعية، ست سنوات من الشلل من دون قانون لإعادة الهيكلة أو خطة تعاف أو مسار إصلاحي واضح، حرب عام 2024 التي أضافت مزيدا من الدمار إلى ما كان قائما، ثم الحرب الدائرة اليوم في عام 2026".
وسأل: "كيف وصل بنا المطاف إلى هنا؟"، وقال: "قام النموذج المالي الذي اعتمده لبنان بعد الحرب الأهلية على"سلسلة متواصلة من عمليات إعادة التمويل غير المستدامة. لقد استقطب تثبيت سعر الصرف وارتفاع معدلات الفائدة ودائع اللبنانيين في الداخل وفي الاغتراب، إضافة الى الودائع الإقليمية، ثم أُعيد تدوير هذه الأموال عبر المصارف إلى مصرف لبنان، ومن خلال مصرف لبنان إلى الدولة التي كانت تعاني عجزاً مالياً متكرراً. وكان هذا النموذج قابلاً للاستمرار فقط طالما بقيت التدفقات الداخلة تفوق التدفقات الخارجة، لكن مع اهتزاز الثقة في عام 2019، جاء الانهيار سريعاً وشاملا".
أضاف: "لقد زادت الإخفاقات من حدة الأزمة وتعقيداتها، فحكومات متعاقبة تعاملت مع الخزينة العامة من دون مسؤولية أو مساءلة، والبيئة الرقابية أتاحت اللجوء إلى الهندسات المالية فيما كانت المخاطر النظامية تتراكم، وغياب للتدقيق المستقل ولرقابة فاعلة، فيما لم يكن الفساد ظاهرة هامشية، بل كان في صلب المنظومة نفسها".
وتابع: "منذ يومها الأول في تولي مهامها بتاريخ 4 نيسان 2025، أعلنت الإدارة الجديدة لمصرف لبنان أن هذه الأزمة هي أزمة نظامية، ولم يكن الهدف إعفاء أي طرف من مسؤولياته. لقد أكدنا بوضوح أن الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية تتحمل مسؤولية الأزمة المالية المصرفية، وأن عليهم جميعاً أن يتحملوا أعباء معالجتها. وقد أصررنا على هذا التوصيف، انطلاقا من ضرورة التحلي بالدقة التقنية، لأن التشخيص هو الذي يحدد العلاج. قرأ كل طرف في هذا الموقف ما يناسبه، ولم يكن ذلك يعنينا. فنحن لا نتخذ المواقف لإرضاء أي طرف، بل لتحديد الوقائع كما نراها، فالمسابقات الشعبية هي من شأن السياسيين، وليست من شأن التكنوقراط كمسؤولي البنك المركزي. إن مهامنا من الحاجب الى الحاكم لا تتأثر بقرار أو مقال، أو موقف عام أو خاص أو تهديد أو ترغيب، فالرقيب الوحيد على مصرف لبنان هو القضاء".
واعتبر أن "الاعتراف الرسمي بالطبيعة النظامية لهذه الأزمة، سواء من قبل مصرف لبنان أو من قبل صندوق النقد الدولي، لا يبرّئ أحداً من المسؤولية، فالدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية تتحمل جميعها حصصاً متفاوتة من المسؤولية، كلٌّ بحسب دوره ومساهمته في نشوء الأزمة"، وقال: "ما يتيحه الإطار النظامي لهذه الأزمة هو توفير أساس عادل لتوزيع الأعباء، بما يضمن ألا تقع كلفة المعالجة بالكامل على المودعين، وهم في الوقت نفسه الطرف الأقل مسؤولية عن الأزمة والأكثر تضرراً من نتائجها، وهذا ليس مجرد مبدأ مالي، بل هو واجب أخلاقي وأساس العدالة الاجتماعية، وهو الموقف الذي التزم به مصرف لبنان، علناً وباستمرار، منذ اليوم الأول".
أضاف: "تزخر التجارب الدولية بسوابق وأمثلة جديرة بالدراسة، فلكل أزمة أسبابها الخاصة، وأطرافها المسؤولة، والعبر التي ينبغي استخلاصها منها. أما الأزمة اللبنانية تختلف اختلافاً جوهرياً عن كل تلك الأزمات، وهذه الحقيقة بالغة الأهمية عند تحديد المسؤوليات ووضع الحلول. ففي معظم الحالات، كان القطاع الخاص هو من أشعل شرارة الأزمة. أما في لبنان، فكان القطاع العام هو نقطة الانطلاق".
وتابع: "في قبرص مثلاً (2012-2013)، انكشف الاقتصاد على نحو مفرط وغير محسوب على الديون السيادية اليونانية. وعندما أُعيدت هيكلة الدين اليوناني،دخلت قبرص في أزمة حادة. وأعقب ذلك تطبيق آلية الـ (Bail-in)التي أثارت الكثير من الجدل، لكنها كانت مؤلمة وحاسمة، وتمت معالجة الأزمة خلال ثلاث سنوات".
وأشار إلى أن "المعالجة الجذرية والسريعة تؤدي إلى التعافي بصورة أسرع من الاستنزاف التدريجي والممتد"، وقال: "أما في آيسلندا (2008)، فانهارت المصارف التي بلغ حجمها نحو عشرة أضعاف الاقتصاد الوطني تحت وطأة الإقراض الدولي المضاربي، وكان رد فعل السلطات الآيسلندية لافتا. لقد تركت المصارف المتعثرة تواجه مصيرها، وحمي المودعون المحليون، وأحيل المسؤولون على القضاء. وقد انتهى الأمر بسجن 26 مصرفيا".
وأوضح أن "التعافي جاء أسرع من كل الدول التي اختارت برامج الإنقاذ(bailouts) المكلفة"، معتبرا أن "المساءلة ليست خياراً، بل ركيزة أساسية في أي عملية إصلاح"، وقال: "أما اليونان (2010-2018)، فعاشت عقداً كاملاً من التقشف نتيجة سياسات مالية غير منضبطة، أُخفيت تداعياتها خلف ممارسات محاسبية كان من شأنها أن تثير إعجاب أمهر محترفي الخدع، وكان الإصلاح يُوعَد به باستمرار، لكنه كان يُؤجَّل باستمرار أيضا"ً
وذكر أن "الخلل السياسي لا يؤخر التعافي فحسب، بل يتحول بحد ذاته إلى أزمة"، متسائلا: "أين يندرج لبنان ضمن هذا التصنيف للأزمات؟"، وقال: "في الحقيقة، لا يندرج ضمن أي منها. ففي كل الحالات التي استعرضناها، كانت الخطيئة الأصلية ارتكبها القطاع المصرفي التجاري فيما اكتفت الدولة، رغم أوجه القصور التي شابت ممارساتها، بدور المنقذ في نهاية المطاف. أما في لبنان، فكانت الدولة بسبب التهوّر المالي والإستدانة الشرسة والممنهجة هي اللاعب الرئيسي في هذه المأساة الوطنية، فيما أصبح سائر المستفيدين والمشاركين فيها إما وكلاء أساسيّين كمصرف لبنان أو شركاء فعليّين كالمصارف التجاريّة".
وشرح أن "الأزمة اللبنانية لم تولد في مهد القطاع الخاص، بل كانت أزمة بدأها القطاع العام، وتمت هندستها على مدى عقود لتمويل عجز مالي مزمن وهيكلي، من خلال آلية تنم عن قدر كبير من اللامبالاة بالمخاطر"، وقال: "لقد اقترضت الدولة من مصرف لبنان بالليرة اللبنانية وبالدولار الأميركي بأسعار فائدة ما كان ينبغي لأي دولة أن تدفعها، وعرض مصرف لبنان على المصارف التجارية عوائد استثنائية لقاء توظيف أموالها لديه، وقبلت المصارف، بدافع السعي إلى الربح المفرط. أما الجهة الناظمة والرقابية، أي مصرف لبنان، فلم يؤدِّ دوره المسؤول ومهامه الاحترازيّة، بل لعب دور الوسيط المالي، فسهّل التعامل بين دولة تفتقر إلى الانضباط المالي وقطاع مصرفي كان حاضراً للاستفادة من هذا الواقع، فيما كانت المخاطر النظامية تتراكم إلى أن بلغت مستويات كارثية".
أضاف: "لقد كانت المؤشرات التحذيرية موجودة. وقد أطلقها اقتصاديون مستقلون، كما أصدرتها وكالات التصنيف الائتماني. لكن تلك التحذيرات لم تصدر عن مصرف لبنان، ولا عن وزارة المال، ولا عن وزارة الاقتصاد، ولا عن جمعية المصارف ولم تلقَ الآذان الصاغية، لأن عدداً كبيراً من الأطراف كان يحقق مكاسب مالية كبيرة. أما المودعون، من معلمين ومهندسين ومهنيين ومتقاعدين عسكريين ومدنيين، إضافة إلى عائلات اغترابية كانت ترسل أموالها إلى الوطن، فلم يكونوا شركاء في هذه العمليّة، خصوصا صغار ومتوسطي المودعين، بل كانوا الوقود الذي أبقتها قائمة. وعندما انفجر المحرك، طُلب منهم تحمّل تبعات الحطام".
وأشار إلى أن "هذا التفاوت في المسؤولية يشكل الأساس الأخلاقي والقانوني لموقف مصرف لبنان من مبدأ توزيع الأعباء"، وقال: "الدولة تتحمل المسؤولية الأساسية، ويتحمل مصرف لبنان مسؤولية تكاد تضاهي وتنافس مسؤولية الدولة، نتيجة إخفاقه في أداء دوره كجهة ناظمة رقابية على القطاع المصرفي، وكمصرف للدولة يلتزم مقتضيات الرصانة المالية. كما تتحمل المصارف التجارية، التي استفادت من هذا الوضع وحققت مكاسب من خلاله، مسؤولية لا يجوز لها التهرب منها تحت ستار الادعاء بأنها كانت مرغمة بسبب ضيق الإمكانات المتاحة للإستثمار في الخارج أو مجرّد أداة ماليّة أو وسيط متجرّد بين المودعين والمصرف المركزي أو الدولة. أما المودعون، فلا يتحملون أي مسؤولية مباشرة بل هم ضحايا هذا الانهيار".
أضاف: "إن التعافي يتطلب العمل على خمسة مسارات متزامنة، لا بصورة متسلسلة بل بالتوازي:
1 - التحديد الواضح للخسائر: إجراء تدقيق شامل في حسابات مصرف لبنان ونشر نتائجه كاملة، بالتوازي مع تقييمات مستقلة ومعتمدة دولياً لجميع المصارف التجارية، فلا يمكن لأي خطة أن تكتسب المصداقية من دون هذه الركيزة الأساسية. إذ لا بد أولاً من تحديد حجم العجز المالي بدقة قبل توزيع المسؤوليات والأعباء.
2 - إعادة هيكلة القطاع المصرفي: تصنيف كل المصارف ضمن ثلاث فئات: مصارف قابلة لإعادة الرسملة، ومصارف تحتاج إلى إعادة هيكلة، ومصارف تستوجب المعالجة أو التصفية المنظمة، ويجب أن تتولى هذه المهمة هيئة مستقلة لمعالجة أوضاع المصارف تتمتع بصلاحيات قانونية واضحة، ومحصنة من التدخلات السياسية، وتعمل وفق مهل زمنية محددة وملزمة.
3 - إعادة حقوق المودعين – الركيزة غير القابلة للتفاوض: توفير حماية الى أقصى حد ممكن من السيولة مع أولوية للمودعين الصغار والمتوسطين، واعتماد آليات لاسترداد جزء من حقوق كبار المودعين من خلال مزيج من المدفوعات النقدية والسندات المالية ABS والمساهمات الرأسمالية حيثما كانذلك مناسبا (Bail-in)، وذلك ضمن جداول زمنية واضحة، ولن يؤيد مصرف لبنان أي خطّة تُحمّل المودعين العبء الأكبر لخسائر لميتسببوا به.
وللإيفاء بالتزاماته في إطار سداد الودائع، سيعمل مصرف لبنان على تسييل جميع الأصول التي يملك صلاحية التصرف بها وبيعها، بما في ذلك حصصه وأسهمه في الشركات العاملة من دون استثناء، ومعظم محفظته العقارية التيراكمها على مرّ السنوات، بالإضافة إلى محفظته من الأوراق المالية، بما فيهاسندات اليوروبوندز. كما تشمل هذه الجهود جميع الديون المستحقة لمصرف لبنان على الدولة، والمثبتة في سجلاته والخاضعة للتدقيق والمصادقة. وسيتم ذلك بما يضمن توفير أقصى قدر ممكن من الموارد والإمكانات، بما يمكّن مصرف لبنان من تحمّل حصته من المسؤولية المالية في معالجة هذه الأزمة والمساهمة في إيجاد حل عادل ومستدام لها.
4 - إعادة هيكلة الدين السيادي: يجب معالجة التعثر الذي وقع في عام 2020 من خلال تسوية تفاوضية تستند إلى مبدأ تكافؤ المعاملة واستدامة الدين العام، ويشكل ذلك شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة التي تتيح للبنان العودة إلىالأسواق المالية، والدين السيلدي يشمل الـEurobonds وسندات الخزينة بالليرة اللبنانية.
5 - الإصلاح المالي: لا يمكن لأي معالجة مصرفية أن تنجح أو تستمر في ظل دولة لا تمول نفسها بنفسها وبصورة سليمة ومستدامة، ويشمل ذلك إصلاح المؤسسات العامة، وتعزيز إدارة الإيرادات، وترشيد كتلة الأجور في القطاع العام، وإلغاء أشكال الدعم ذات الدوافع السياسية".
وأشار إلى أن "مصرف لبنان لا يستطيع طباعة الاستقرار المالي، بل إن مسؤولية تحقيقه تقع على عاتق الدولة من خلال حسن الإدارة والحكم الرشيد"، وقال: "في هذا السياق - قامت الحكومة الحالية مشكورة والمجلس النيابي بالإصلاحات الآتية: أُقرت تعديلات قانون السرية المصرفية في عام 2025، أقرت قانون إعادة هيكلة المصارف، وهو يخضع حالياً لمراجعة إضافية بناءً على طلب صندوق النقد الدولي، وسيُعاد إقراره بصيغته النهائية خلال عام 2026. كما أحالت الحكومة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع (FSDR) على مجلس النواب، وهو مشروع سيشهد نقاشاً طويلاً وحاداً، إلا أنني أتوقع إقراره في نهاية عام 2026 أو مطلع عام 2027".
أضاف: "لن أقدّم الوهم المريح المتمثل بالتعافي السريع، فما سأعرضه هو تصور واقعي، مع التأكيد أن كل محطة فيه تبقى مشروطة بتحقق ما يسبقها، وأن كل تأخير هو خيار يدفع المودعون ثمنه في نهاية المطاف. ينبغي أن تمتد المرحلة الأولى، أي مرحلة الاستقرار، على عامي 2026 و2027. وتشمل استكمال التدقيقات الجنائية والمالية، وإقرار الإطار التشريعي الأساسي، وإطلاق عملية تصنيف المصارف، والتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، والبدء بإعادة جزء من حقوق صغار المودعين، هذه ليست أهدافاً طموحة فحسب، بل تمثل الحد الأدنى المطلوب لإثبات الجدية".
وتابع: "أما خلال الفترة الممتدة بين عامي 2027 و2028، فيجب أن تبدأ عملية إعادةالهيكلة بصورة فعلية: تصنيف المصارف ومعالجة أوضاعها، وتسوية الدينالسيادي، وتحقيق تقدم ملموس في المؤشرات المالية العامة، والرفع التدريجيللقيود على حركة الرساميل مع عودة الثقة. وستكون هذه المرحلة الأصعب، نظراً لتعقيداتها التقنية، وحساسياتها السياسية، وحاجتها إلى إرادة سياسية مستدامة لم يُظهرها لبنان حتى الآن بالقدر الكافي، لكنه لا بد أن يجدها. أما بين عامي 2028 و 2030، فإذا ما نجحت المراحل السابقة، يصبح الانتقالإلى الوضع الطبيعي أمراً ممكناً. فعندها يمكن استعادة وظيفة الائتمان، واسترجاع القدرة على النفاذ إلى الأسواق، وتوسيع نطاق إعادة حقوق المودعين، وإرساء إطار نقدي مستدام. وعندها يعود لبنان إلى العالم، لا بوصفه قصة تحذيرية، بل بوصفه دولة قررت أخيراً أن تحكم نفسها بنفسها، لا شيء من ذلك حتمي، لكن كل ذلك يمكن التحقيق. والمسافة بين هاتين الحقيقتين اسمها الإرادة السياسية والادارة الرشيدة للمال العام، من قبل الدولة ومصرف لبنان".
وأردف: "لا يمكن لأي رواية صادقة لهذه الأزمة أن تتجاهل الاقتصاد الموازي، بما يشمله من تدفقات غير مشروعة، وعمليات تبييض أموال، وممارسات فساد ساهمت في اختراق النظام المالي اللبناني وإضعافه. إن وجود لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) لا يقتصر أثره على السمعة فحسب. فهو يقيّد علاقات المراسلة المصرفية، ويرفع كلفة المعاملات المالية، ويوجه رسالة إلى العالم مفادها أن لبنان لا يزال عاجزاً عن ترسيخ مكانته كقناة مالية موثوقة وشفافة".
وقال: "منذ نيسان 2025، اتخذ مصرف لبنان سلسلة واسعة من الإجراءات، شملت الإعتماد على شركات متخصصة في مكافحة "الإقتصاد الأسود" كـK2 Integrity ووضعت أدوات متطورة لرصد العمليات المالية، وتعزيز متطلبات اعرف عميلك (KYC) وإجراءات العناية الواجبة المعززة، وتطبيق متطلبات الشفافية المتعلقة بالمستفيد الحقيقي، وتحسين نوعية تقارير العمليات المشبوهة بصورة ملموسة، وتعزيز التعاون مع مجموعة العمل المالي (FATF) ومجموعةالعمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF) ومجموعة إيغمونت".
ولفت إلى أن "الاقتصاد الموازي في لبنان ليس ظاهرة هامشية"، وقال: "كل دولار يُتداول خارج النظام الرسمي لا يساهم في الإيرادات العامة، ولا في الاستقرار المالي، بل يزيد من هشاشة النظام الاقتصادي والمالي. وفي هذا الإطار، أطلق مصرف لبنان، بالتنسيق الوثيق مع وزارتي الماليةوالعدل، عملية تدقيق جنائي تتولى تنفيذها شركة Alvarez & Marsal، والتي – خلافاً لما روّجه بعض المشككين من شائعات، وتجاوزاً لما يطلب القانون الصادر عام 2024 – تتمتع بنطاق عمل أوسع بكثير من مجرد مراجعة الأموال التي دفعها مصرف لبنان بناءً على طلب الحكومات السابقة لتمويل برنامج الدعم. وسيغطي هذا التدقيق كل قرش تم دفعه من قبل مصرف لبنان أو تم تسهيل دفعه عبره خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول 2019 وحتى نهاية عام 2023. ويشمل ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، برنامج الدعم، كما يغطي الأموال المحولة إلى المصارف عبر التحويلات الدولية، والأموال المدفوعة بالنيابة عن الدولة. وتُعد هذه العملية المرحلة الثانية من مهمة التدقيق الأصلية التي أوكلت إلى شركة Alvarez & Marsal والتي كانت مرحلتها الأولى قد كُلّفت بها وزارة المال، وقدم خلالها مصرف لبنان كل البيانات والمعلومات المطلوبة، وفقاً لما أكدته الشركة رسميا".
أضاف: "يأتي هذا التدقيق، وليكن ذلك معلوما للجميع ومأخوذاً في الاعتبار، في إطار الالتزام الثابت وغير القابل للمساومة من قبل مصرف لبنان بمبادئ الإفصاح والشفافية والمساءلة. إنّ إخراج لبنان من اللائحة الرمادية يشكل أولوية أساسية، لأن لبنان لا يستطيع أن يؤدي دوراً موثوقاً في النظام المالي العالمي ما لم يحقق هذا الهدف".
وتابع: "إذا كان تمويل الإرهاب يشكل تهديداً خطيراً، فإن أموال الفساد لا تقل خطورةعنه، بل قد تكون أكبر حجماً وتفشياً، والأخطر من ذلك أنّ الفساد يحظى في لبنان بقبول اجتماعي مبطن، فنحن نُجالس ونُسامر ونُدعى إلى مناسبات ونشارك في أفراح وأتراح أشخاص كانوا في صلب منظومة الفساد، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه، وغالبا ما ندركه وننكره لأنفسنا قبل الآخرين، ونتعامل مع الفساد إما بلا مبالاة عقلانية، أو باشمئزاز عابر، لكن من دون أن نرتقي إلى مستوى الرفض الحاسم الذي يحوله إلى قضية وطنية جامعة. أما في مصرف لبنان، فإننا نعتبر هذه المعركة من ضمن أولويتنا، وسنخوضها حتى النهاية".
وأردف: "نحن نتحدث عن أموال استُخرجت بصورة منهجية من مصرف لبنان، ومن المؤسسات العامة، ومن العقود الحكومية، على مدى عقود طويلة، ثم حُوِّلت إلى الخارج أو أُخفيت داخل هياكل مالية معقدة ومغلقة".
ورأى أن "الأمر لا يتعلق بفساد محدود أو عابر، بل بسرقة كبرى استهدفت الشعب اللبناني ومصرفه المركزي ومودعيه"، وقال: "لقد بلغت الأموال التي غادرت لبنان في الأشهر المحيطة بأحداث تشرين الأول 2019 مليارات الدولارات، بعضها كان مشروعاً في غياب الـ Capital Control وكثيراً لم يكن. بعض حوله مستثمرون أو مودعون مميزون أو مصرفيون وبعضه للأسف مسؤولون في الدولة وفي مصرف لبنان".
وأشار إلى أن "مصرف لبنان يتعاون بصورة كاملة مع السلطات القضائية اللبنانية، ويضع بتصرفها كل ما يجيزه القانون من معلومات وتحليلات مالية دعما لأي ملاحقات قضائية"، وقال: "كما نتعاون مع سلطات قضائية أجنبية في سويسرا وفرنسا وألمانيا وLichtenstein واللكسنبورغ والمملكة المتحدة وغيرها من الدول التي تشهد إجراءات قضائية مرتبطة بأموال لبنانية محولة بصورة غير مشروعة".
ولفت إلى أن "أي أموال يتم استردادها من خلال هذه الإجراءات تعود إلى المودعين"، وقال: "هي ليست مورداً للدولة يمكن إعادة توجيهه أو التصرف به".
وختم: "إن الأزمة التي نعيشها اليوم لم تكن نتيجة ظرف عابر، ولن يكون الخروج منها نتيجة إجراء واحد أو عام واحد أو أعوام قليلة، إنها تتطلب جُهداً جدّياً ومساءلة واسعة وإصلاحاً جذرياً، وحين تتوافر هذه العناصر، يصبح التعافي ممكناً، وتصبح استعادة حقوق المودعين وإعادة بناء الدولة والقطاع المالي أهدافا قابلة للتحقيق، فالطريق واضحة، والخيارات صعبة لكن معروفة، وما ينقصنا ليس المعرفة، بل الإرادة".
آخر الأخبار

ما هي المنطقة النموذجية التي تقترحها واشنطن لكسر الجمود بين لبنان وإسرائيل؟

إيران: لا اتفاق من دون لبنان!

ترامب يرفض تخصيب إيران لليورانيوم بنسبة 60% ويشترط تسليم المخزون أو تدميره


