اخبار لبنان

صدر عن "نداء بيروت 2025" الآتي:
"أيتها اللبنانيات، أيها اللبنانيون،
تمرّ السنوات، بل العقود، وينقلب الشرق الأوسط رأسا على عقب، فتضربه الحروب والمجازر والإبادات، وتسقط أنظمة فيه، وتضمحلّ دول، وتتطوّر أخرى، فلا يبقى شيء على حاله ولا كما كان، إلا حالة الجمود والانهيار التي نحن فيها، والتي جعلت من لبنان عالةً على دول المنطقة والعالم، وبلداً يستجدي مساندة من هنا، ومساعدات من هناك.
وهنا لا بد من الإشارة إلى حصتنا من المسؤولية عن ذلك. فنحن سبق أن ارتضينا تحويلنا مستنقعًا لكل أزمات المنطقة وتناقضاتها، فأدخلنا أنفسنا في حالة من الحروب اللامتناهية: مع الأعداء ومع الأصدقاء، والأخطر، مع أنفسنا، اذ لم نُقَصّرْ يومًا بحقّ بعضنا البعض، محاولين رمي المسؤولية على خارجٍ ما، في سبيل تبرئة ذاتنا.
لقد آنَ الأوانُ أن نضع حدًّا لكلّ هذه الحروب والتطلّع نحو المستقبل، للانتقال بأنفسنا وببلدنا الى القرن الحادي والعشرين، وهو ما يتطلّب إعادة بناء الثقة فيما بيننا من جهة، وبيننا وبين الدولة من جهة أخرى. إذ يجب الاعتراف بأنّ كل جماعة وطائفة من نسيجنا اللبناني اعتادت على الخوف والتخويف من الآخر، فطورت عناصر قوّتِها الذاتية، واعتنقت سرْدياتها عن الماضي وأعرافه وممارساته، رابطةً مستقبلها وبقاءها بوزارة من هنا، أو تعيين مدير من هناك، حتى انهارت البلاد فوق رؤوسنا أجمعين، طوائف ومواطنين، وذلك في الوقت الذي كانت دول في العالم تستثمر طاقاتها فيما تراه سبيلاً إلى المستقبل.
فنحن في لبنان فوّتنا، وبما فيه الكفاية، فرصاً كانت أولاها بعد اتفاق الطائف عام 1989، وثانيتها مع تحرير الـ 2000 من الاحتلال الإسرائيلي، وثالثتها مع تحرير الـ 2005 من الاحتلال السوري، وآخرها بعد انتفاضة تشرين 2019، بحيث اكتسبنا، وعن جدارة، لقب بلد الفرص الضائعة.
أيتها اللبنانيات، أيها اللبنانيون،
أمّا وقد وصلنا الى ما وصلنا اليه، وحفاظًا على ما تبقّى، فإنّنا نخرج بندائنا هذا، من أجل عدم إضاعة الفرصة السانحة أمامنا، لإطلاق مشروع إنقاذ وطني، يضع أسسًا جديدة لمستقبل بلدنا، ويؤسس لدولة حديثة، متحررة من ممارسات الماضي، دولةٍ تُطمئن الجميع وتضمن التعددية، كما تحترم الحرية الفردية للمواطنين وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات.
فنحن لم نعد نسعى لأن نكون "سويسرا الشرق"، ولم نعد نريد أن نهزم "المشروع الامبريالي"، ذاك أن تلك الأحلام والأوهام كلّفتنا الكثير. إننا فحسب نود أن نعيش في دولة عادية، طبيعية، دولة كالدول، تنحاز إلى مصلحتها ومصالح أبنائها حصرًا، وتسهر على أمانهم ورفاهيتهم، مستندة إلى الأسس البديهية التي تقوم عليها الدول، فتحترم دستورها، وتبسط سيادتها على كل أراضيها، وتحصر السلاح بها وحدها، وترسّخ السلم الأهلي.
وانطلاقاً من هذه المبادئ التي نراها بديهية، صار لزاما علينا تغيير الواقع واستعادة قرارنا بهدف إرساء الاستقرار وإطلاق عجلة الإعمار والإصلاح والمصالحة وفقا للمسار التالي:
يتطلب كل ما سبق، الإسراع في تشكيل حكومة متجانسة وكفؤة، تحترم بديهيات النظام الديمقراطي،ولا تكون كناية عن برلمان مصغّر، ولا تحصر التمثيل الطائفي بأية جهة حزبية، بل تعتمد المداورة في كل الوزارات دون استثناء، حكومة تليق بآمال اللبنانيين، وتكون على قدر طموحاتهم، وتشبه المرحلة الجديدة التي نحن على أبوابها، داخليًّا واقليميًّا، وتباشر ورشة الإصلاح على كلّ الصعد.
أيتها اللبنانيات، أيها اللبنانيون،
تعالوا نبني معًا هذه الدولة القوية والحديثة القادرة وحدها على إعادة بناء ما تهدّم، وتأمين عودة الجميع إلى قراهم آمنين سالمين، عودةً أخيرة ونهائية،
فلتكن دولةً تنتشلنا من مآسي الماضي، للانطلاق نحو المستقبل، نتساوى جميعُنا فيها أمام القانون، ولا يكون فيها صيف وشتاء تحت سقف واحد، كما لا تضيعُ أموالُنا في مصارفها، ولا نحرم من عدالة في قضائها، دولةً نعيش فيها مواطنين أحراراً وشركاء في قرارها، لا جنوداً في ساحةٍ من ساحات المعارك العبثية،
ولتكن دولةً سيدة، عادلة، مزدهرة، وآمنة، تصمد لتحديات المستقبل."



