Daily Beirut

اخبار لبنان

الراعي في جولة تربوية في الجبة: المدرسة ليست مكانًا للعلم فقط بل لبناء الإنسان وترسيخ حضوره في أرضه

··قراءة 6 دقائق
الراعي في جولة تربوية في الجبة: المدرسة ليست مكانًا للعلم فقط بل لبناء الإنسان وترسيخ حضوره في أرضه
مشاركة

في إطار حضوره الأبوي والراعوي في منطقة الجبّة، واهتمامه المتواصل بالمؤسسات التربوية التي تؤدي دورا أساسيًا في تثبيت العائلات في بلداتها وقراها والمحافظة على الحضور المسيحي والإنساني في الجبال، قام البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بجولة تربوية رافقه فيها المطران جوزيف النفاع، والقيم البطريركي الخوري طوني الآغا، وأمين السر الخاص الخوري كاميليو مخايل، إلى جانب عدد من الإداريين في المقر البطريركي، شملت عددًا من المدارس، فكانت له محطة في مدرسة الوردية في عبدين، أعقبتها محطة ثانية في مدرسة مار دانيال لراهبات العائلة المقدسة المارونيات.

وحملت الجولة بعدا يتجاوز الزيارة البروتوكولية إلى التأكيد على مكانة المدرسة في رسالة الكنيسة، ليس فقط بوصفها مؤسسة للتعليم، بل مساحة لتكوين الإنسان، وبناء شخصيته، وغرس القيم فيه، وربطه بأرضه ومجتمعه. كما شكّلت مناسبة للاستماع إلى التحديات التي تواجه المدارس في المناطق الجبلية، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة وتراجع أعداد التلامذة وارتفاع الأعباء التشغيلية وعدم قدرة عدد كبير من العائلات على تحمّل كلفة التعليم.

استهل البطريرك الراعي جولته بزيارة مدرسة الوردية في عبدين، حيث كان في استقباله الرئيسة الام برناردين حتوني ومديرة المدرسة الاخت لودغار رحمة والاخت اليان غوش والخوري إيلي العلم وطلاب المدرسة الذين رحبوا بالبطريرك مرددين ترنيمة " باستقبالك يا ملك المجد " طالبين بركته الابوية التي حرص البطريرك على منحهم إياها فردا فردا. ثم كان اللقاء مع الأسرة التربوية والطلاب داخل كنيسة المدرسة.

وفي مستهل اللقاء، ألقت الأم حتوني كلمة مقتضبة رحّبت فيها بالبطريرك، معبرة عن فرحة الأسرة التربوية بزيارته، وقالت: "سيدنا، راعينا، نرحب بكم من القلب، وبخاصة من الأسرة التربوية، ونقول لكم أهلاً وسهلاً بكم بيننا"، متمنية "أن يرافق الرب البطريرك الراعي في رسالته وأن يبقى «نهرًا من العطاء للكنيسة اللبنانية".

الراعي: المدرسة تبني الشخصية وتُهيّئ الإنسان لمستقبله

وفي كلمته، أعرب البطريرك الراعي عن فرحه بوجوده في مدرسة الوردية في عبدين، متوقفًا عند مسيرتها التي انطلقت منذ نحو عشر سنوات على يد راهبات الوردية اللواتي أسسنها وتولين إدارتها ورعايتها، معتبرًا أنها "تشكّل امتدادًا لرسالة هذه الرهبانية العريقة وعلاقتها المميزة بالكنيسة والكرسي الرسولي".

ووجه تحية خاصة إلى راهبات الوردية، شاكرا لهن جهودهن التربوية والإنسانية وما قدمنه في سبيل تأسيس المدرسة والمحافظة على رسالتها ومتابعة مسيرتها.

كما شكر الإدارة والأساتذة والمعلمين والمعلمات وجميع العاملين فيها. وتوجّه الراعي بصورة خاصة إلى الطلاب، مؤكدًا "أن المدرسة ليست مجرد مكان لتلقّي العلم والمواد والكتب، بل هي المكان الذي تُبنى فيه شخصية الإنسان ويُهيَّأ فيه مستقبله. فالعملية التربوية، بحسب غبطته، لا تقتصر على اكتساب المعرفة، بل تشمل القيم والأخلاق والمحبة وروح المسؤولية".

ولفت إلى "أن كل يوم يمضيه الطالب في المدرسة، وكل مادة يتعلمها، وكل خبرة يكتسبها، تسهم في رسم مستقبله وبناء شخصيته، داعيًا الطلاب إلى الإفادة من سنوات الدراسة حتى في ما تحمله أحيانًا من تعب وصعوبات، لأن هذه المرحلة تشكّل أساسًا لما سيكون عليه الإنسان في حياته المقبلة".

الأسرة التربوية عائلة واحدة

وشدد البطريرك الراعي على "أن نجاح المدرسة يقوم على الشراكة بين مختلف مكوّناتها، من إدارة وراهبات وهيئة تعليمية وطلاب وعاملين"، معتبرا أنهم "جميعًا يشكّلون عائلة تربوية واحدة، لكل فرد فيها دوره ومسؤوليته في بناء رسالة المدرسة".

وتوقف عند روحانية راهبات الوردية القائمة على المحبة وخدمة الإنسان، ولا سيما الفقراء والمحتاجين، داعيًا إلى أن "تتحول هذه الروحانية إلى ثقافة يومية يعيشها الطلاب في علاقتهم بعضهم ببعض وفي انفتاحهم على مجتمعهم".

وأكد أ"ن المدرسة الحقيقية لا تكتفي ببناء المعرفة، وإنما تبني الإنسان والشخصية، معربًا عن أمله في أن يغادر الطالب المدرسة حاملًا في قلبه الصراحة والخير والمحبة، وقادرًا على خدمة مجتمعه ووطنه وتحويل ما تعلمه إلى سلوك ومسؤولية في حياته ومستقبله".

وختم الراعي بتجديد شكره لراهبات الوردية ولكل من أسهم في تأسيس المدرسة واستمرار رسالتها، متمنيًا للطلاب النجاح والتوفيق، وأن تكون سنواتهم الدراسية أساسًا صالحًا لمستقبل مشرق.

وبعد استراحة قصيرة في أدارة المدرسة انتقل البطريرك الراعي والوفد المرافق إلى المحطة الثانية من الجولة في مدرسة مار دانيال لراهبات العائلة المقدسة المارونيات، حيث كان في استقباله، على وقع التراتيل ونثر الورود، مديرة المدرسة الأخت مادونا القوي، والراهبات وأفراد الهيئة التعليمية والإدارية.

ومن ساحة الاستقبال حيث قدمت له الطفلة جيس نعيم باقة من الورود، انتقل الجميع إلى كنيسة المدرسة، حيث رُفعت صلوات الشكر على نية الطوباوي البطريرك إلياس الحويك، مؤسس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، في محطة أعادت إلى الذاكرة الدور الذي أراده المؤسس للرهبنة في خدمة الإنسان والعائلة والتربية، ولا سيما في المناطق والقرى اللبنانية.

بعد الصلاة، انتقل البطريرك الراعي والحضور إلى صالون المدرسة، حيث كانت كلمة ترحيب وشكر عبّرت من خلالها الراهبات عن فرحتهن بالزيارة الأبوية، وفي الوقت عينه عن الهواجس التي ترافق استمرار رسالتهن التربوية في الجبال.

صرخة من مدارس الجبال: نريد أن نبقى

وفي الكلمة التي ألقتها الأخت قزي، استُعيدت المحطات والذكريات التي جمعت البطريرك الراعي بجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، ولا سيما في مار يوسف، معربة عن تقدير الراهبات لمحبة غبطته للجمعية ورسالتها.

إلا أن الكلمة سرعان ما انتقلت من الترحيب إلى عرض واقع المدارس في الجبال، فعبّرت الأخت قزي عن وجع الراهبات اللواتي يخدمن في المناطق الجبلية، مؤكدة أن وجودهن فيها ليس عابرًا أو مرتبطًا بإدارة مؤسسة وحسب، بل هو جزء من دعوتهن ورسالة مؤسسهن الطوباوي البطريرك إلياس الحويك.

وأشارت إلى أن عددًا من مدارس الجبال بات يواجه أزمة حقيقية تهدد استمراره، في وقت تعاني فيه الهيئات التعليمية بدورها أوضاعًا صعبة، وبين أفرادها معلمات أمضين ثلاثين عامًا في خدمة التربية، وقدمن سنوات طويلة من حياتهن في سبيل المدرسة وأبنائها.

وعرضت الأخت قزي واقع مدرسة مار دانيال، مشيرة إلى أنها كانت من المدارس الرائدة في المنطقة، وأن عدد تلامذتها بلغ نحو ثمانين تلميذًا، ووصل في بعض السنوات إلى قرابة مئة وعشرة تلامذة، إلا" أن الاستمرار أصبح اليوم تحديًا كبيرًا في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل كاهل العائلات".

وأوضحت" أن المدرسة عملت خلال السنوات الأخيرة على تأمين مساعدات للعائلات المحتاجة وتشجيع الأهالي على تسجيل أولادهم، انطلاقًا من قناعة بأن بقاء المدرسة لا ينفصل عن بقاء العائلة في أرضها، وأن وجود الراهبات في هذه المنطقة هو حضور كنسي واجتماعي وتربوي ينبغي المحافظة عليه".

كما أشادت بما يقوم به الإكليروس والراهبات والشباب وأبناء المنطقة من نشاطات ومبادرات، وبالجهود المبذولة للمحافظة على التنشئة التربوية والروحية والاجتماعية، مؤكدة أن المنطقة لا تزال تختزن طاقات بشرية وإرادة حقيقية للاستمرار رغم كل الظروف.

وحملت كلمة الأخت قزي نداءً مباشرًا إلى البطريرك الراعي لمساعدة المدرسة على الاستمرار، فقالت "إن الراهبات يردن البقاء في الجبال وإلى جانب الشباب والعائلات والإكليروس وأبناء المنطقة، وعدم الوصول إلى مرحلة يفرض فيها الواقع الاقتصادي إقفال المدرسة أو مغادرة المنطقة".

وأكدت أن "هذه المدرسة ليست مجرد بناء، بل هي رسالة وزرع في هذه الأرض"، وأن المحافظة عليها تعني المحافظة على حضور تربوي وكنسي وإنساني في منطقة تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى المؤسسات التي تساعد أهلها على الصمود".

وتوقفت عند الصعوبات المالية المتراكمة التي تواجه المؤسسات التربوية منذ سنوات، في ظل المستحقات والأعباء المتزايدة من جهة، وتراجع قدرة الأهالي على تسديد الأقساط من جهة أخرى، ما يضع المدارس الصغيرة، وخصوصًا تلك الموجودة في المناطق الجبلية، أمام تحديات مصيرية.

وختمت بالتأكيد "أن الراهبات، رغم كل الصعوبات، متمسكات برسالتهن وبوجودهن في المنطقة، لأن هذا الوجود ليس مجرد عمل تربوي، بل هو حضور للكنيسة وخدمة للإنسان"، مؤكدة إرادتهن المحافظة على هذا الحضور ومواصلة الرسالة بكل ما أوتين من قوة.

وحملت محطتا البطريرك الراعي في مدرستي الوردية ومار دانيال رسالة واحدة عبّرت عنها الزيارة بأبعاد مختلفة: أن المدرسة في القرى والجبال ليست مؤسسة تعليمية فحسب، بل ركيزة من ركائز بقاء الناس في أرضهم واستمرار الحياة في مجتمعاتهم المحلية.

فبين كلمة الراعي إلى طلاب مدرسة الوردية، حيث شدد على بناء الإنسان بالقيم والمعرفة والمسؤولية، وصرخة راهبات العائلة المقدسة في مدرسة مار دانيال للمحافظة على المدرسة والوجود التربوي في الجبال، برزت التربية كرسالة كنسية ووطنية تتصل بمستقبل الإنسان والأرض معًا.

وإذا كانت المدرسة تهيئ الطالب لمستقبله، كما أكد البطريرك الراعي، فإن "بقاء المدرسة نفسها في القرى يشكّل بدوره ضمانة لمستقبل هذه القرى، لأن إطفاء نور مدرسة في منطقة جبلية لا يعني خسارة صفوف ومقاعد فحسب، بل خسارة مساحة للحياة والتنشئة والحضور".

وتحولت الجولة التربوية إلى تأكيد متجدد أن دعم مدارس الأطراف والمحافظة عليها هو، في جوهره، استثمار في الإنسان وتثبيت للعائلة وحماية للحضور وتمسك بالأرض والمستقبل.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة