اخبار لبنان
جرائم المخدرات في قانون العفو اللبناني.. من المستفيد؟

لم يفتح قانون العفو العام في لبنان الباب أمام إسقاط الملاحقات والأحكام في جرائم المخدرات على نحو شامل، كما لم يغلقه أمام جميع مرتكبي هذه الجرائم. فقد رسم القانون استثناءات محددة، ثم جاء قرار المجلس الدستوري رقم 12 الصادر في 12 تشرين الأول 2026 ليحسم مسائل أساسية في تفسيرها، ويزيل التباسًا كان يمكن أن يؤدي إلى اختلاف تطبيق القانون بين ملف وآخر.
وتكمن أهمية القرار في أنه لم يكتفِ بتثبيت القواعد العامة، بل أبطل عبارتين تتصلان بتاريخ ارتكاب الجرائم، ووضع تفسيرًا ملزمًا لمفهوم التكرار، وأكد أن استثناء العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية يشمل أيضًا جرائم زراعة المواد المخدرة. وهذه التعديلات تحدد عمليًا نطاق الاستفادة من العفو، وتمنع التوسع في تطبيقه خارج الحدود التي رسمها القانون.
التكرار لا يُثبت بمجرد الملاحقة
نص البند الخامس من المادة الثانية على عدم استفادة مرتكبي جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد على المرة الثانية من العفو، سواء صدرت أحكام قضائية في هذه الجرائم أم لم تصدر. لكن صياغة النص أثارت إشكالًا قانونيًا: هل يكفي أن يكون الشخص قد لاحقته السلطات أكثر من مرة حتى يُعدّ مكررًا، أم أن الأمر يتطلب تحقق شروط التكرار وفق قانون العقوبات؟
حسم المجلس الدستوري المسألة باعتماد المعنى القانوني للتكرار كما يحدده قانون العقوبات. وأوضح في تعليله أن التكرار، بمفهومه القانوني، لا يتحقق إلا بصدور حكم سابق مبرم، ولا تكفي الملاحقة وحدها لإثباته.
وهذا التمييز ليس تفصيلًا إجرائيًا. فالملاحقة تعني أن الشخص خضع لإجراءات قضائية، لكنها لا تعني بالضرورة ثبوت الجرم بحقه بحكم نهائي. ومن ثم، لا يجوز التعامل مع تعدد الملاحقات وكأنه دليل تلقائي على التكرار الذي يمنع الاستفادة من العفو.
وبذلك، يصبح تطبيق الاستثناء مرتبطًا بالشروط القانونية للتكرار، لا بمجرد عدد الملفات أو الملاحقات المسجلة بحق الشخص. ويترتب على ذلك ضرورة دراسة الوضع القضائي لكل ملف على حدة، والتحقق من توافر الشروط التي يتطلبها القانون قبل استبعاد صاحبه من العفو.
الأمن واستثناء يشمل الزراعة؟
استثنى القانون جميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية. لكنه أورد، في الفقرة التالية، حكمًا يعتبر جرائم زراعة المواد المخدرة مشمولة بالعفو إذا ارتُكبت قبل صدور القانون. وأوجد التجاور بين النصين التباسًا بشأن وضع العسكري أو عنصر الأمن الذي يرتكب جريمة زراعة.
فهل تُعامل الزراعة معاملة خاصة تسمح بشمولها بالعفو، أم يبقى مرتكبها مستثنى بسبب صفته الوظيفية؟
اعتمد المجلس الدستوري التفسير الثاني، وقرر أن استثناء جميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية يشمل جرائم زراعة المواد المخدرة المرتكبة من قبلهم أيضًا. وبذلك، لا يمكن الاستناد إلى الفقرة الخاصة بالزراعة لتجاوز الاستثناء المتعلق بهذه الفئة.
ويعني هذا أن صفة مرتكب الجرم تظل عاملًا حاسمًا في هذه الحالة. فالحكم الذي قد يتيح شمول جريمة الزراعة بالعفو لا يمتد إلى العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية المشمولين بالاستثناء، حتى عندما تكون الجريمة زراعة مواد مخدرة لا اتجارًا بها أو حيازةً لها.
وهنا تظهر وظيفة التحفظ التفسيري الذي اعتمده المجلس: إزالة التعارض الظاهري بين فقرتين، وتحديد القراءة الملزمة التي يتعين على السلطات والمراجع القضائية اعتمادها.
الحد الزمني الفاصل
من أبرز ما حسمه القرار مسألة التاريخ الذي تُقاس على أساسه الجرائم المشمولة بالعفو. فقد ربط النص الأصلي بعض الأحكام المتعلقة بالتكرار والزراعة بتاريخ صدور القانون، ما كان يمكن أن يؤدي إلى اختلاف في المعاملة تبعًا لتاريخ صدوره بدل اعتماد تاريخ موحد.
أبطل المجلس الدستوري عبارة «والمرتكبة قبل صدور هذا القانون» الواردة في الفقرة الثانية من البند الخامس من المادة الثانية، كما أبطل عبارة «في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون» الواردة في الفقرة الثالثة من البند نفسه. وأكد أن الأول من آذار 2026 هو الحد الزمني الموحد لجميع الجرائم المشمولة بالعفو، بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها.
ولم يكن هذا التعديل شكليًا. فقد رأى المجلس أن ربط الاستفادة بتاريخ صدور القانون قد يؤدي إلى شمول أفعال ارتُكبت بعد الأول من آذار 2026، أي بعد بدء النقاش العام في القانون أو بعد التصويت عليه، بما يخل بالمساواة بين مرتكبي الجرائم المتماثلة، وقد يحوّل العفو إلى حافز على ارتكاب جرائم خلال الفترة السابقة لإقراره.
وعليه، لا يكفي أن تكون الجريمة من النوع الذي يمكن أن يشمله العفو؛ بل يجب أيضًا أن تكون قد ارتُكبت ضمن المهلة الزمنية المعتمدة. وهذا الشرط ينسحب على جرائم المخدرات والزراعة، كما ينسحب على سائر الجرائم التي يشملها القانون، مع مراعاة الاستثناءات المحددة فيه.
لا عفو شاملًا ولا استثناء بلا شروط
تُظهر معالجة جرائم المخدرات أن قرار المجلس الدستوري لم يُلغِ التوازن الذي حاول القانون إقامته بين منح العفو ضمن حدود محددة واستثناء بعض الجرائم أو الفئات منه. لكنه جعل هذا التوازن أكثر وضوحًا، عبر ربط التكرار بمعناه القانوني، وتأكيد شمول استثناء العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية لجرائم الزراعة، وتوحيد التاريخ الفاصل عند الأول من آذار 2026.
والنتيجة أن الاستفادة من العفو لا تُحسم بمجرد وصف الجريمة بأنها متصلة بالمخدرات، ولا بمجرد تعدد الملاحقات. بل تتطلب فحصًا دقيقًا لنوع الفعل، وصفة مرتكبه، ومدى تحقق التكرار وفق القانون، وتاريخ ارتكاب الجريمة.
أما عمليًا، فسيكون على الجهات القضائية المختصة تطبيق هذه القواعد عند النظر في كل ملف، من دون التوسع في الاستثناءات أو تضييق نطاق العفو خلافًا للنص والتفسير الملزم. وفي هذا الإطار، لا يضع القرار قاعدة جديدة للعفو عن جرائم المخدرات بقدر ما يحدد بدقة الحدود التي يجوز تطبيقه ضمنها، ويمنع اختلاف الاجتهادات في مسائل حسمها المجلس الدستوري صراحة.
" النشرة"
آخر الأخبار

إنريكي يقر بغياب متخصص لركلات الجزاء في باريس قبل موقعة برشلونة

نيوزوم يصف رحيل غيلفويل عن منصبها الدبلوماسي بـ"المؤسف"

الشرع يعين عمر الحلبي مستشارا اقتصاديا ورئيسا لمجلس إدارة الصندوق السيادي.. فمن هو؟


