اخبار لبنان
دريان في رسالة الأضحى: سيظلُّ خطرُ الحروبِ قائمًا حتى ينحصر السِّلاح بيد الدولة

وجه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، رسالة إلى اللبنانيين من مكة المكرمة لمناسبة حلول عيد الأضحى، وجاء في بدايتها: "الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ ذي الأنوارِ الساطعة، وعلى آلِ بيتِه الطاهرين وصحابتِه الطيبين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين. قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحج : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}".
وأشار إلى أن "الأضحى يرتبط بالحجِّ وبالتَّضحية. وفي الوقتِ الذي يَمضِي فيه إخوان كثيرون للحجِّ طَوَافًا وسعيا وَوُقُوفًا بِعَرَفَة، وَسَعيًا بينَ الصَّفا والمَروَة، رَافِعِينَ الصَّوت: لبَّيكَ اللهُمَّ لبَّيك، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيك، إنَّ الحَمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك، يتلبَّثُ الأكثرون مِنَّا في لبنانَ وفِلسطين تحتَ وَطأةِ المُعاناةِ والغَزو، والقَتلِ والتَّهجير. وجاءَ في القرآنِ الكريم: {اِصبِروا وصَابِروا ورابِطوا واتَّقوا اللهَ} إنَّما يا ربَّ العالَمين، يا غفورُ يا رحيم، يكادُ الاحتِمالُ يَستَعصِي، والصَّبرُ لا يَستَجيبُ بَعدَ هذه السَّنَواتِ الطِّوالِ مِنَ الأهوالِ على الأرواحِ والعُمرانِ، والطُّفولةِ البريئةِ، وحيواتِ الهُروبِ واللجوء، والعَيشِ في البؤسِ والخَراب، وفي مِثلِ ظُروفِنا يَلجأُ النَّاسُ إلى سُلُطاتِهم ودُوَلِهِم وركائزِهمُ الاجتِماعِيَّةِ والأخلاقِيَّة، والجِهاتِ الحَامِية، لكِنَّ السُّلُطاتِ تَعجِزُ والعدُوُّ لا يَرحَم، والوَحَداتُ الاجتِماعِيَّةُ تَتَخَلخَلُ، ويَصيرُ هناكَ تَهديدٌ وُجُودِيٌّ ليسَ لِلدُّوَلِ والأوطانِ فقط، بل ولإنسانِيَّةِ الإنسان. سواءٌ في حالتِنا – نحن في لبنان – أو في حالةِ غزَّةَ وَفِلسطين، حيثُ لا يُمكِنُ بالطَّبعِ الاعتِمادُ غلى تَقديراتِ العَدُوِّ واعتِباراتِه، لا يَبقَى إلا أنْ نُفَكِّرَ في ما نَستطيعُه وما لا نَستطيعُه نحن لِجِهةِ تَجَنُّبِ الأذى، ولِجِهةِ الاحتِفاظِ بالتَّماسُكِ والتَّفَكُّرِ في عَيشِنا وأطفالِنا ومُستَقبلِنا. ما عادَ أحَدٌ مِنَّا مُقتَنِعًا بالأساليبِ المُنتَهَجَةِ في مُواجَهَةِ العَدُوّ، أو في استِجلابِ العَونِ والتَّضَامُن. إذ في كُلِّ مُواجَهةٍ نَخسرُ المَزيدَ مِنَ الأرضِ، وَمِنَ الأرواحِ، ومِنْ مُتَطَلَّباتِ الاستِقرارِ والسَّكينةِ، وسلامةِ الشَّرفِ والكَرامَة، فضلًا عَنِ الأمنِ والسِّيادة".
أضاف دريان: "لقد تَكَرَّرَ ذلكَ في حُروبٍ عِدَّة، تبدأُ مِن جانبٍ أو أكثرَ مَحسوبٍ علينا. وتنتهي بِوقفٍ للنَّارِ بَعدَ خرابٍ كبير، وقَتْلٍ مريع. هو أُسلوبٌ مَكررٌ أصبَحَ عَبَثِيًّا يَتَسَبَّبُ بِهَلاكِ الإنسانِ والعُمرانِ كما سَبَق، وهذا إلى احتلالِ الأرض. وما دامَ هذا الأسلوبُ غَيرَ مُوَفَّق، وَنَتَائجُهُ دائمًا كارثِيَّةٌ فَيَنْبَغِي تَغييرُه، ولهذا نَجِدُ أنَّ لُجوءَ الدَّولةِ للتَّفاوُضِ مِن أجلِ وَقفِ النَّار وانسِحابُ المُحتَلِّ هو عملٌ سياسِيٌّ ودِينيٌّ يستَحِقُّ التَّرحيبَ، لأنَّه يُخَفِّفُ مِنَ الخَسائرِ وَمِنَ المُعاناةِ، وَيَعِدُ بإعادةِ أهلِ الجنوبِ إلى قُراهم وبلَداتِهِم. وإذا قيلَ إنَّ في ذلِكَ تَنازلًا واعْتِرافًا بِالعَدُوّ، فنحن واهمون لأنَّنَا نحن أصحابَ المَصلحةِ في وَقْفِ القَتْلِ والقِتال، وإذا لم يَحْدُثْ ذلكَ بالحَرب فَلْيَحْصُلْ بالتَّفاوُض، لذا ينبغي اجتراح الحلول والمخارج لمصلحة لبنان واللبنانيين، انطلاقا من ذلك ندعو الى صحوة ضمير لإنقاذ الوطن".
وأكد أن "دار الفتوى مع العهد والحكومة ورئيسها لتنفيذ ما جاء في خطاب القسم والبيان الوزاري لإخراج لبنان مما هو فيه من أزمات، والسلاح خارج اطار الدولة يؤدي الى اختلال في التوازن ويضعف مؤسسات الدولة، والجيش اللبناني مسؤوليته حماية الوطن والمواطن. نحن أهلَ المُؤسَّساتِ الدِّينِيَّة لَسنا مسؤولين سياسيِّين أو عَسكريِّين لكن ماذا نقولُ لِلنَّاسِ الكثيرين الذين يَقصِدُوننا مُتَظَلِّمين أو باحِثين عن إغاثَةٍ ونَجدة. وهؤلاءِ يسألون دائمًا: إلى متى؟ وإلى ماذا المَصِير؟ ومتى يَحلُّ السِّلمُ أخيرًا؟ وبعدَ تَردُّدٍ كثيرٍ صِرنا نقولُ لِلمُواطِنين المَنكوبين: سَيَظَلُّ خَطَرُ الاضْطِراب والحُروبِ قائمًا حتى يَنحَصِرَ السِّلاحُ بيدِ الدَّولة، وَتَصبِحَ الدَّولةُ هي المَسؤولةَ عن قرارِ الحربِ والسِّلم. وَتَصَوَّرُوا أنَّ هذا الهَلاكَ الحاصِلَ الآنَ هو إحدى نِتَاجِ أنَّ قرارَ الحربِ والسِّلمِ ليسَ بيدِ الدَّولة، وهو كذلِكَ مُنذُ عُقودٍ وَقَعَتْ فيها حُروبٌ عِدَّة تَسبَّبَتْ بما نحن فيه الآن".
وقال: "يا حُجَّاجَ بيتِ اللهِ الحرام، المُناسبَةُ مُناسبَتُكم، وأنتم في سبيلِ أداءِ الفريضةِ تتحمَّلون مشاقًّا كُبرى. ويَصِفُ القرآنُ الكريمُ هذه تلكَ المَشَقَّةَ مِن خلالِ النَّصِّ على المَجيءِ إلى رُبوعِ البيتِ الحرام "مِن كُلِّ فَجٍّ عميق" وإنَّنا إذ نُحيِّي جُهدَكُم الكبيرَ في أداءِ العِبادة، نَرغَبُ إليكم أن تَتَضَرَّعوا إلى الكريمِ المَنَّانِ في رِحابِ البيتِ الحرامِ بأنْ يَمُنَّ على أوطانِنا وإنسانِنا بالسَّلامِ المُفتَقَد، وبِالطُّمَأنينةِ المُنتَقَصَة، وبِسكينةِ الأمنِ والأمان. بالطَّبعِ بيننا أخيارٌ وأشرارٌ، بَيدَ أنَّ التَّلاعُنَ والتَّبرُّؤَ غيرُ مَطلوبٍ، وغيرُ مُفيد. إنَّما مِنْ جِهةٍ أُخرى فإنَّ الابتِزَازَ بِالتَّهديدِ بِالفِتنةِ كُلَّما عَبَّرَ إنسانٌ عن رأيهِ غيرُ مُفيدٍ أيضًا، فدُعاةُ الابتِزازِ بالفِتنةِ يُريدُونَنَا أنْ نُسلِّمَ بِالاسْتِئثارِ بِقرارِ الحربِ الذي جَلَبَ الويلات. ويَستَمِرُّ الحالُ على هذا المِنوالِ إنْ لم يَرتَفِعِ الصَّوتُ ضِدَّ الحربِ وَمَعَ الدَّولةِ العادِلةِ والقوِيَّة التي تَظَلُّ أقوى رَغَباتِها ومَساعِيها إنهاءُ الحربِ، وتَحريرُ الأرضِ، وحياةُ الإنسان، وصُنعُ السَّلام".
وذكر دريان أنه "في القرآنِ الكريم، والاعتِقادِ الإسلاميِّ أنَّ إبراهيمَ وابنَه إسماعيلَ عليهما السَّلامُ هما اللذانِ بنيا البيتَ الحرامَ ليكونَ مثابة لِلنَّاسِ وأمْنًا. والذي نسألُه سُبحانَه وتعالى وتَسْألونه أنتمُ الحُجَّاجُ أنْ يُصبِحَ الأمنُ المَكِّيُّ أمنًا لجميعِ البشرِ في أزمِنةِ الصَّخَبِ والحروب. فقد جاءَ الإسلامُ لِتَحقيقِ سلامِ العالَمِ باسمِ الله، وهو اسمٌ مِن أسمائه الحُسنى عزَّ وجلّ. نعم لا تبقى الأوطانُ إلا بالسَّلام، وبذلكَ تُصبحون أنتُمُ الحُجَّاجُ رُسُلًا ودُعاةً لِلسَّلامِ والعيشِ المُشترك. نَسألُ اللهَ لكم حجًّا آمٍنًا، ونَسألُه عَزَّ وجلَّ الأمنَ والسَّلامَ لأوطانِنَا وإنسانِنا، وَصِغَارِنا وَكِبَارِنا، فهوَ سُبحانَه وَتَعالى السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ العزيزُ الجَبَّارُ ربُّ الرَّحمةِ والنِّعمة. رِسالةُ الأضحى هي رِسالةُ سلامٍ ينبغي أنْ يَحلَّ في النُّفوسِ والرُّبوع: { فأمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً ، وأمَّا ما يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمكُثُ في الأرض } صدق اللهُ العظيم، وكُلُّ حَج وكُلُّ أضحى وأنتم أيها المواطنون الأعزَّاءُ بخيرٍ وأمنٍ ورحمة".
آخر الأخبار

نيكولاس كيج يوضح أسباب توتر علاقته مع كريستوفر نولان

سرقة جواز سعود عبد الحميد تؤخر انضمامه لمعسكر المنتخب قبل مونديال 2026

استبعاد دين هويسن من قائمة إسبانيا لكأس العالم يثير ردود فعل


