اخبار لبنان
دريان: لا سبيل غير التفاوض لوقف القتل والتهجير

وجّه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان رسالة بمناسبة السنة الهجرية الجديدة، قال فيها:
"الحمد لله ذي الفضل والإحسان، شرع لعباده هجرة القلوب وهجرة الأبدان، وجعل هاتين الهجرتين باقيتين على مرّ الزمان.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد المهاجرين إليه أجراً عظيماً، قال تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً﴾، وقال تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، هاجر إلى ربه فأواه وحماه، صلى الله عليه وسلم يوم أن قال: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله حتى فتحوا القلوب والبلدان، ونشروا العدل والإيمان والإحسان.
أما بعد: أيها المسلمون، أيها اللبنانيون: مع حلول كل عام هجري جديد، يقف المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها محتفين بعام هجري جديد، ومستذكرين أحداث الهجرة النبوية الشريفة، التي تستحق الوقفة المتأنية، لأنها كانت في حقيقتها حدثاً بالغ الأهمية في تاريخ وحياة العرب والمسلمين، وهي لم تكن سفراً وانتقالاً لتحصيل متع الدنيا وملذاتها، وإنما كانت انتقالاً من أجل الحفاظ على العقيدة، وتضحية كبرى على حساب النفس والمال والأهل والولد من أجل العقيدة، فهي تبدأ من أجل العقيدة وغايتها العقيدة، وفيها الإصرار على اتباع الحق والدعوة إلى نهج الهدى والرشاد.
لقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثته بمكة قرابة الثلاثة عشر عاماً داعياً للوحدانية والاستقامة الخلقية والانضمام إلى ركب وحدة الدين الذي دعا إليه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الذي بنى البيت العتيق مع ابنه إسماعيل بمكة المكرمة. ولذلك فإن العرب الذين كانوا يحجون إلى البيت هم أولى الناس بالبقاء على دعوة إبراهيم وديانته. فببركة دعوة إبراهيم استقام لقريش الأمر، وصنعوا الإيلاف الذي ذكرهم القرآن الكريم به، قال تعالى: ﴿لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾.
نحن عائدون من الحج إلى البيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل، وحول تلك النواحي الصحراوية الجرداء إلى واحة مزدهرة للخير والائتلاف والنماء. بعد قرون تنكر المكيون لكل ذلك، فأرسل إليهم سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم لإعادتهم إلى السبيل المستقيم، سبيل إبراهيم الخليل عليه السلام.
لقد حاول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، طوال قرابة الثلاثة عشر عاماً من دعوته بمكة، أن يبشر بني قومه وينذرهم، فما آمن معه إلا قليل. بيد أن هذا الإعراض لم يقتصر على عدم الإيمان والاتباع، بل إن سادة قريش عمدوا إلى اضطهاد أولئك الذين أصغوا إلى دعوة الحق. وما تزال صرخات سمية وبلال وعمار تحت التعذيب ماضية عبر الزمان، وتشير إلى ثبات الإيمان وطمأنينة اليقين بوعد الله. قال صلى الله عليه وسلم: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته). فتعالت قريش على بني عبد المطلب وعزلتهم، وحاصرتهم في الشعب ثلاث سنين حتى أكلوا ورق الشجر، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لا يستطيع الدفاع عن نفسه بالهجرة إلى الحبشة، وقال: (إن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد). وأبى النجاشي أن يطرد المسلمين بعد أن سمع من جعفر بن أبي طالب آيات من سورة مريم، فقال: (إن هذا وما أتى به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة).
ثم انطلق رسول الله بصحبة أبي بكر يدعو العرب في مواسمهم، وذهب إلى الطائف، فآذاه أهلها وسخر منه سفهاؤهم، فخرج مهموماً وقال: (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي).
هذه أطراف مما عاناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنوات دعوته الأولى، ولذلك رجا أن يجد في الهجرة إلى يثرب فرجاً ومخرجاً. فخرج إلى المدينة بعد أن لقي استجابة من أهلها، وكان يصحبه أبو بكر الصديق، بعد أن أمر أصحابه بالهجرة قبله متفرقين.
لقد تحمل عليه الصلاة والسلام مشقات مغادرة مكة والحرم، وكل ذلك من أجل صون الإيمان وفتح آفاق الدعوة.
نعم أيها المسلمون: الهجرة كانت تجربة نجاح ونضال في آن واحد. فقد كان المسلمون بين خيارين: إما ترك الدين أو مغادرة الديار، فاختاروا الثبات على الإيمان. وكسبوا بذلك الحرية الدينية وأوطانهم في ما بعد.
عندما أقام النبي صلى الله عليه وسلم الدولة في المدينة، أسس مجتمعاً يقوم على العدل والتعايش، ولم يستبعد أحداً، بل قامت على عقد اجتماعي عرف بـ"صحيفة المدينة"، التي نظمت العيش المشترك بين مكونات المجتمع.
إن الهجرة تقع في وعي المسلمين بين ثلاث قضايا: استمرار الكفاح من أجل الحرية، ومغادرة الديار عند الضرورة، وبناء الدولة الجامعة القائمة على التعاقد والعدل.
أيها اللبنانيون: إن الدولة الوطنية التي يسعى لبنان إلى ترسيخها هي أساس الاستقرار، ولا حياة للوطن بدونها. وهي دولة المؤسسات والجيش الواحد والسيادة.
إن ترسيخ مفهوم الدولة مدعوم من الأشقاء والأصدقاء، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية الحريصة على أمن واستقرار لبنان.
نحن نواجه تحديات كبرى، وقد زاد تعقيدها في ظل الصراعات والتوترات. ولذلك اختارت السلطات التفاوض للخروج من المأزق، إذ لا سبيل غيره لوقف القتل والتخريب والتهجير.
أيها المسلمون، أيها اللبنانيون: لقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وها هم مواطنونا اليوم يعانون التهجير القسري. ولا بد من تعزيز روح الأخوة والمواطنة.
ولا تحتاج بيروت إلى مزيد من الفتنة أو السلاح خارج الدولة. وما حدث في عائشة بكار أصبح في عهدة القوى الأمنية والقضاء.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حمل علينا السلاح فليس منا).
أيها المسلمون: ذكرى الهجرة اليوم مؤلمة، مع تفاقم الأزمات والمعاناة، ولا يبقى إلا التضامن والعمل المشترك واستعادة السلم.
الهجرة درس في الصبر والأمل، ولن يخمد الأمل بعزيمة اللبنانيين وقدرتهم على التوافق. قال تعالى: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾.
وفي الحديث: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها).
سلام الله عليك يا رسول الله، وجزاك عن أمتك خير الجزاء. وكل عام هجري وأنتم بخير".
آخر الأخبار

الجيش اللبنانيّ لأهالي الجنوب: تريّثوا في العودة!

هالاند يعبر عن فخره بالمشاركة في كأس العالم مع منتخب النرويج

خلاف عائلي حول صديقة جود بيلنغهام ووالدتها المشردة قبل كأس العالم


