اخبار لبنان
أشار رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى ان واقعنا اليوم ليس واعداً، ولكن إدراك الواقع لا يعني القبول به والاستسلام له، فنحن شعب جُبِل على المقاومة لينتزع حقه بالوجود وبالحياة، مشدداً على أنه باقٍ على وعده بحفر الصخر مهما تصلّب، لشق طريق الخلاص للوطن
وأضاف في كلمة القاها بمناسبة عيد الاستقلال: "إنّ الاستقلال بالمفهوم العام يعني الاستقلال السياسي وتحرر البلد من احتلال، من انتداب، من وصاية خارجية، من تبعية سياسية... لكن التجربة اللبنانية تقول إنّ كل ذلك لا يكفي كي يكون الوطن مستقلاً، فهناك العديد من القيود التي تجعلنا أسرى"، مشدداً على ان وطننا اليوم، أسير منظومة فساد سياسي، مالي، إداري، مغطى بشتى أنواع الدروع المقوننة، الطائفية والمذهبية والاجتماعية حتى أضحى الفساد ثقافة وفلسفة لها منظّروها ومن يبررها ويدافع عنها.
واعتبر ان الوطن ايضاً أسير منظومة تمنع المحاسبة بالتكافل والتضامن، وتؤمّن ما يلزم من الذرائع والابتكارات لتخطّي القوانين وعرقلة تطبيقها، أسير اقتصاد ريعي قتل انتاجه وذهب به نحو الاستدانة ووضعه مجبراً في خانة التبعية لتلبية احتياجاته، والارتهان للدائني بالاضافة الى انه أسير قضاء مكبّل بالسياسة وبهيمنة النافذين.
وتوجه الى اللبنانيين، قائلاً: "أيها اللبنانيون كثيرة هي القيود التي تكبّل، ولكن تحطيمها ليس بالمستحيل إذا أردنا فعلاً بناء الوطن وتحقيق التحرّر والاستقلال الفعلي... وأقول لكم ومن منطلق المصارحة اللازمة: إن الإصلاح وقيام الدولة هما رهن إرادتكم فعبّروا عنها"، معتبراً ان لا قيام لدولة قادرة وفاعلة في ظل الفساد، والبداية هي بالتحقيق المالي الجنائي ثم إقرار مشاريع قوانين الإصلاح والمحاسبة والانتظام المالي في مجلس النواب وفي مقدمها استعادة الأموال المنهوبة والمحكمة الخاصة بالجرائم المالية، والتحقيق التلقائي في الذمة المالية للقائمين بخدمة عامة.
واعتبر انه يجب إقرار قوانين تحفظ وتصون كرامة الإنسان وأولها قانون ضمان الشيخوخة.
وقال: "إذا أردنا قيام الدولة، فالضرورة ملحّة لتركيز الجهود على تحقيق الاكتفاء الاقتصادي، فنولي الأهمية المطلوبة للإنتاج واحتياجاته، وهو الذي يشكّل حجر الأساس في بناء الاقتصاد الوطني والمستقل، ومعلوم أن لا استقلال حقيقي لبلد اقتصاده مكبّل بالخارج".
وعن الحكومة، قال: "إنّ قيام الدولة بأبسط مقوماته يحتاج لوجود حكومة فاعلة وفعالة"، سائلاً: "أولم يحن الوقت لتحرير عملية تأليف الحكومة من التجاذبات، ومن الاستقواء والتستر بالمبادرات الإنقاذية للخروج عن القواعد والمعايير الواحدة التي يجب احترامها وتطبيقها على الجميع كي يستقيم إنشاء السلطة الإجرائية وعملها؟".
وأضاف في السياق عينه: "الحكومة تنتظرها مهام تحمل صفة الفوري والعاجل والإنقاذي، وفي مقدمها إطلاق ورشة الإصلاحات البنيوية الملحّة، وإعادة إعمار بيروت وتضميد جراجها، وتطوير خطة التعافي المالي وترجمتها بالقوانين والمراسيم التطبيقيّة".
وعن المرفأ، قال: "ثلاثة أشهر ونصف مضت على كارثة انفجار مرفأ بيروت ولا يزال لبنان والعالم بانتظار نتائج التحقيق؛ ومع احترامنا الكامل لسرية التحقيق التي يفرضها القانون، ولاستقلالية القضاء العدلي، فإنني، ومن موقعي، أدعو الى الإسراع فيه من دون التسرّع".
أما عن ترسيم الحدود، فأكد على أن لبنان متمسك بحدوده السيادية كاملة، ويأمل أن تثمر مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، فيسترجع حقوقه كاملة بالاستناد الى المواثيق الدولية، وتصحيح الخط الأزرق وصولاً الى الحدود البرية المرسومة والثابتة والمعترف بها دولياً.
وتابع في سياق آخر: "اللافت مما يجري من تحولات سياسية جذرية دولياً وإقليمياً، هو اعتراف دول عربية عدة بإسرائيل وسيرها نحو التطبيع الكامل معها، وفي ذلك، ويا للأسف، قبول ضمني بضياع القدس والجولان، فضلا عن ارتفاع وتيرة الضغوط الأميركية قبيل تسلم الادارة الجديدة، كما عودة روسيا الى ملف النازحين".
مشيراً الى ان المتغيرات الإقليمية والدولية سيكون لها انعكاسات هامة على لبنان، ولا يقع على عاتق أي مسؤول أو أي حكومة أن يقررا منفردين السياسات التي يجب اعتمادها إزاء الواقع الجديد الذي يحتاج الى الكثير من التضامن خصوصاً وإننا على مشارف استحقاقات قد تغير وجه المنطقة.
وقال: "يجب إطلاق حوار وطني لبحث ما تفرضه التحولات في المنطقة والعالم من تغيرات في جميع القطاعات السياسية والأمنية والدفاعية، لنستطيع مواكبة هذه المرحلة، فتوضع كل الخلافات جانباً وتلتقي الإرادات للخروج معاً بموقف موحّد يحصّن لبنان ولا يسمح بأن يكون أضحية التفاهمات الكبرى وكبش محرقتها".
وعن التدقيق الجنائي كشف ان لبنان تبلغ القرار المؤسف لشركة التدقيق المحاسبي الجنائي "ألفاريز ومارسال" بالانسحاب من المهمة الموكلة إليها، وذلك بسبب عدم مدها من قبل مصرف لبنان بما تطلبه من معلومات ومستندات تمكنها من القيام بعملها وفقا للمعايير الدولية المعتمدة، وعدم تيقنها من الحصول عليها في الفترة المتبقية.
معتبراً ان انسحاب "ألفاريز ومارسال" من المهمة الموكلة إليها هو انتكاسة لمنطق قيام الدولة، والمكاشفة والمساءلة والمحاسبة والشفافية؛ فالتدقيق الجنائي هو مدخل كل إصلاح، لأنه قادر على كشف مكامن الفساد والهدر، وتبيان أسباب الانهيار الحالي والمسؤولين عنه، قائلاً: "عبثاً نحارب الفساد بمعزل عنه".
واضاف: "لن أتراجع أو أحيد عن معركتي ضد الفساد المتجذر في مؤسساتنا، على الرغم من أنها معركة غير متكافئة راهناً، كونها مع منظومة متماسكة وممسكة بمفاصل القرار المالي منذ عقود؛ ولن أتراجع في موضوع التدقيق المالي الجنائي مهما كانت المعوقات، وسأتخذ ما يلزم من إجراءات لإعادة إطلاق مساره".
وختم: "أيها اللبنانيون، أدعوكم الى الوقوف وقفةً واحدة حقاً، فتضغطون حيث يجب، وترفعون الصوت في المكان الصحيح لكسب معركة التدقيق المالي الجنائي، لأنها المعركة الأساس في إنقاذ لبنان".



