اخبار لبنان
نصف طن من الأسئلة على طريق ضهر البيدر

في آب 2012، اجتاز الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة الحدود السورية اللبنانية، حاملًا في سيارته مئات الكيلوغرامات من المتفجرات ومبلغ 170 ألف دولار، تسلّمهما من أجهزة أمنية تابعة لنظام بشار الأسد. لم يكن سماحة مهرّبًا يعمل لحسابه الخاص، ولا كانت الشحنة معدّة لمواجهة عسكرية مع إسرائيل. كانت جزءًا من مخطط لتنفيذ تفجيرات واغتيالات على الأراضي اللبنانية، استهدفت شخصيات سياسية ودينية، وكان من شأنها إشعال فتنة في بلد لا يحتاج أصلًا إلى الكثير من الجهد لإشعالها.
لم يكن منفّذ المهمة ضابطًا مجهول الهوية، بل وزيرًا سابقًا ومستشارًا للرئيس السوري، ينقل المتفجرات بتنسيق مع أحد أبرز مسؤولي استخبارات النظام، اللواء علي مملوك. غير أنّ هذه الواقعة لم تكن انحرافًا مفاجئًا عن طبيعة العلاقة بين دمشق وبيروت. ففي بلد اعتاد أن تُدار شؤونه من خارج مؤسساته، لم يكن مستغربًا أن يتجاوز القرار الأمني الحدود كما تجاوز القرار السياسي مؤسسات الدولة.
كانت تلك الواقعة امتدادًا لمنطق حكم لبنان لسنوات. ففي عنجر، حيث تعاقب غازي كنعان ورستم غزالي على إدارة المخابرات السورية، لم تكن الحدود بين الأمن والسياسة واضحة، ولا بين القرار اللبناني والإرادة السورية. كان نفوذ الضباط يمتدّ من مراقبة السياسيين إلى التأثير في مواقعهم وقراراتهم. لم تكن الدولة غائبة، كانت موجودة بما يكفي لتمنح قرارات الآخرين شكلًا مؤسساتيًا.
وفي ظل هذه المعادلة، ترسّخ التحالف العسكري والأمني بين النظام السوري وحزب الله، وشكّلت الأراضي السورية ممرًا رئيسيًا للدعم العسكري الإيراني نحو الحزب. وبعد انسحاب الجيش السوري عام 2005، بقي التحالف، واستمرّ مسار الإمداد، قبل أن يتحوّل حزب الله نفسه إلى طرف عسكري يقاتل دفاعًا عن بقاء نظام الأسد.
ثم سقط نظام الأسد، وانتهت معه مرحلة كاملة من العلاقات الأمنية التي حكمت المنطقة. لكنّ انتهاء النظام لا يكفي لإثبات انتهاء الشبكات والممارسات التي نشأت في ظلّه. فالتاريخ لا يورّث المسؤولية الجنائية، لكنه يترك وراءه وقائع لا يجوز محوها كلما تبدّلت أسماء أصحاب السلطة.
و جاءت حادثة ضهر البيدر لتعيد إلى الواجهة أطنانًا من الأسئلة التي ظنّ اللبنانيون، أو أرادوا أن يظنّوا، أنّ الزمن قد تجاوزها. ففي الخميس الماضي، ضُبطت على حاجز ضهر البيدر مئات الكيلوغرامات من المواد الشديدة الانفجار، بينها TNT وC4، فيما تحدّثت معلومات منسوبة إلى التحقيق عن وجود مسامير وكرات حديدية ضمن الحمولة. وأشارت تسريبات إلى الاشتباه بارتباط الموقوفَين بحزب الله، وأنهما كانا ينقلان الشحنة من البقاع باتجاه الضاحية الجنوبية، لتسليمها إلى شخص يُعرف باسم "الحاج ذو الفقار".
يُقال إنّ التاريخ لا يعيد نفسه، بل يتكرّر على القافية ذاتها. وفي لبنان، يبدو أنّ القافية أكثر ثباتًا من الأنظمة التي تتعاقب على كتابتها. تتغيّر أسماء الضباط، وتسقط التحالفات، وتختفي وجوه من المشهد، لكنّ المتفجرات تجد طريقها مجددًا إلى الواجهة، ومعها السؤال عمّا إذا كانت أدوات الحروب الخارجية قد تعود يومًا أدوات لتصفية الحسابات الداخلية.
ويصعب فصل هذه الأسئلة عن تاريخ نقل السلاح في لبنان. ففي آب 2023، لم تحتج شاحنة ذخائر تابعة لحزب الله إلى أكثر من انقلابها في الكحالة كي ينكشف ما كان يُنقل بعيدًا عن أعين الناس. لم تكن المشكلة يومها أن الشاحنة انقلبت، بل أن انزلاقاً واحداً كان كافيًا لكشف مدى هشاشة الخط الفاصل بين أمن اللبنانيين وقرارات لا يشاركون في اتخاذها.
لكنّ المشهد السياسي اليوم مختلف. فحزب الله، الذي خرج من سنوات المواجهة العسكرية بخسائر كبيرة، يواجه ضغطًا متصاعدًا لحصر السلاح بيد الدولة، في وقت لم تعد فيه معادلات القوة التي حكمت علاقته بالداخل اللبناني على حالها. ولم يعد النقاش يتعلّق بموقع المقاومة من الدولة فحسب، بل بمستقبل سلطة بُني جانب أساسي منها على امتلاك السلاح والقدرة على اتخاذ القرار العسكري بصورة مستقلة.
والسؤال الأصعب الذي تطرحه هذه المرحلة هو ما إذا كان تراجع القدرة على فرض الشروط سيدفع إلى إعادة النظر فيها، أم إلى التشبّث بها مهما ارتفعت الكلفة على الآخرين.
في هذا السياق، تكتسب فرضية التحضير لعمل أمني داخلي خطورة استثنائية. فإذا كشفت التحقيقات عن نية استخدام المتفجرات لاستهداف شخصيات أو تجمعات لبنانية، فسنكون أمام محاولة محتملة لنقل الصراع على السلطة من السياسة إلى الدم. وعندها، لن يعود السؤال مَن أراد اغتيال مَن فقط، بل أيّ حساب سياسي يمكن أن يرى في موت اللبنانيين وسيلة لتحسين موقعه.
هنا تحديدًا تستعيد قضية ميشال سماحة معناها، لا بوصفها دليلًا على هوية أصحاب الشحنة الحالية، بل تذكيرًا بأنّ فرضية استخدام التفجيرات لإعادة تشكيل التوازنات السياسية في لبنان ليست اختراعًا أدبيًا. فقد بقي اغتيال رفيق الحريري وما تلاه من اغتيالات جزءًا من ذاكرة سياسية لا تزال أسئلتها أكبر من الأجوبة التي قدّمها القضاء.
التاريخ لا يُحاكم، لكنه يُكثِر الأسئلة. لا يثبت هوية الفاعل في ضهر البيدر، لكنه يفسّر لماذا لا يكفي الاطمئنان إلى أن الشحنة لم تنفجر.
فخطورة القضية لا تنحصر في احتمال وقوع انفجار، بل تشمل احتمال أن يتحوّل العنف، مجددًا، إلى لغة للتفاوض على مستقبل السلطة في لبنان.
على طريق ضهر البيدر، توقّفت شحنة متفجرات. أما السؤال الذي لم يتوقّف، فهو ما إذا كان لبنان قد خرج حقًا من زمن تُرسم فيه موازين القوى بالخوف، أم أن ذلك الزمن لا يزال يبحث عن طريق آخر للعبور ؟
"MTV Lebanon"
آخر الأخبار

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى "أسطول الظل" الروسي

"لديهما الكثير لتخسراه".. ترامب لا يعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران

مخزومي: لاتخاذ قرارات تنفيذية حازمة لضبط الحدود


