مقالات

ممّا لاشكّ فيه، أنّ معاناة موظفي القطاع العام ومتقاعديه لم تعد تطاق في ظل تحليق سعر صرف الدولار إلى نحو ٨٠ ألف ليرة، وانخفاض القدرة الشرائية للرواتب بنسبة ٩٥٪ ، ودولرة السلع والرسوم والضرائب والخدمات أي زيادتها عشرات الأضعاف، ما جعل الموظف غير قادر على تأمين الغذاء والدواء لعائلته وعلى توفير أدنى مقومات العيش البسيط لا الكريم.
لكن في المقابل، فإن التمادي في الإضرابات وشلّ عمل المؤسسات والمرافق العامة، يزيد الوضع تعقيداً ويحرم الدولة من مصادر التمويل لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية التي تعصف بعموم الشعب اللبناتي وخصوصاً بموظفي القطاع العام، الأكثر تضرّراً من هذا الوضع، كونهم يتقاضون رواتبهم بالليرة، في حين تمّت دولرة معظم رواتب العمال وموظفي القطاع الخاص أو جزء منها على الأقل.
وإذا كان المطلوب من الدولة أن تقوم بواجباتها تجاه أفراد القطاع العام للحفاظ على أمنهم الاجتماعي وديمومة استمرار المرافق العامة، فعلى هؤلاء أن يدركوا أيضاً حجم الأزمة المالية التي تعانيها الدولة، وألاّ يقارنوا بين قيمة رواتبهم التي كانت قبل الأزمة ورواتبهم اليوم، لأنّ تلك الرواتب المصطنعة كانت نتيجة تثبيت سعر صرف الليرة قسراً بالديون وليس بنتيجة الانتاج الوطني، ما أدّى إلى انهيار القطاع المصرفي وضياع أموال المودعين. كما عليهم أن يدركوا أيضاً بأنّ الحلّ لا يكون بالاستنسابية أي بلجوء كل قطاع وظيفي إلى انتزاع مطالبه بالاضراب والتعطيل، بمعزل عن مطالب القطاعات الأخرى، على قاعدة "عسكري دبر راسك" لأن هذا الأمر، بالإضافة إلى كونه منافياً للعدالة والمساواة، من شأنه أن يصدّع وحدة القطاع العام، ويثير البلبلة والفوضى في صفوفه.
إذاً، انطلاقاً ممّا سبق ومن تضارب المطالب بين هذا القطاع أو ذاك، لا بدّ من اجتراح حلّ مرحلي، عادل، شامل ومتوازن، يراعي ما بين الاحتياجات والامكانات، وهذا الحل وفق تقديري ومعرفتي بالموضوع يقوم على الآتي:
في الخلاصة، على الدولة أن تقوم بواجباتها تجاه الموظفين الذين كرّسوا حياتهم في سبيل الخدمة العامة ورواتبهم هي مصدر رزقهم الوحيد، وبعد ذلك، من واجباتها أيضاً أن تقوم بالمساءلة والمحاسبة تجاه الخارجين على النظام، فكما لا يجوز تجويع الموظفين، لا يجوز لهؤلاء رفض الحلول الواقعية والتجرّد من مسؤولياتهم المهنية والوطنية، وتعطيل مصالح البلاد والعباد لتحقيق مكاسب خاصة، هي أبعد ما تكون عن أسس المنطق والحقّ والعدالة.
دانيال الحداد-اخبار اليوم
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان