من ناحيته، يبدو أنّ مصرف لبنان يملك خارطة معقّدة من أدوات ضبط السيولة التي يعمل عليها للمرحلة الآتية، بحيث تبدو مسألة حسابات توطين الرواتب تفصيلاً صغيراً في مشهد شديد التعقيد.
رفع سعر بيع الدولارات المدعومة التي يقدّمها مصرف لبنان لاستيراد السلع الأساسيّة خلال الأيام المقبلة، سيمكّن المصرف من زيادة كمّية الأموال التي يمتصّها من السوق بالليرة اللبنانيّة، خصوصاً أنّ المصرف يطلب إيداع الأموال لشراء هذه الدولارات بالسيولة الورقيّة. أمّا منصّة مصرف لبنان، التي تبيع الدولارات حالياً وفق سعر 12,000 ليرة للدولار، فتساهم أساساً بامتصاص المزيد من السيولة المتداولة بالليرة، وهو ما ظهر من خلال انحسار الزيادة نصف الشهريّة في النقد المتداول بالليرة في الأسواق.
كلّ هذه الخطّة يعمل عليها المصرف المركزي اليوم ليتمكّن من امتصاص قيمة سيولة موازية لتلك التي يضخّها عبر دفع نصف قيمة السحوبات بالليرة وفقاً للتعميم 158، كي لا يؤدّي التعميم إلى تضخّم كبير في قيمة النقد المتداول بالليرة، وللحؤول دون انهيار سريع في سعر الصرف. لذلك يبدو أنّ مصرف لبنان يعمد إلى تقنين كمّيات السيولة التي يسلّمها إلى المصارف لإتمام هذه الخطة، وهو ما انعكس أخيراً في أزمة حسابات التوطين. مع العلم أنّ مصادر المصرف المركزي تؤكّد أنّ استرسال مصرف لبنان في ضخّ السيولة بالليرة لتمويل السحوبات النقديّة من المصارف، سيعاكس كلّ ما يحاول مصرف لبنان القيام به من خلال امتصاص السيولة من السوق قبيل تطبيق التعميم 158. وفي خلاصة الأمر: سيدفع أصحاب حسابات التوطين الثمن.
سيحمل الأسبوع المقبل تطوّرات حاسمة بخصوص طريقة تعامل الشركات مع هذه الأزمة، وأثر الأزمة على سيولتها، خصوصاً أنّ أيّاماً قليلة فقط تفصلنا عن موعد دفع رواتب الشركات في نهاية الشهر، في حين أنّ هذه الإجراءات المصرفيّة ظهرت فجأة ومن دون سابق إنذار. ما يزيد الأمور سوءاً أنّ موظّفي القطاع الخاص لن يتمكّنوا من تحمّل ضربة بحجم حبس جزء من رواتبهم في الحسابات المصرفيّة، خصوصاً في ظل الضغوط المعيشيّة الناتجة عن انزلاق البلاد نحو مرحلة رفع الدعم تدريجياً عن السلع الأساسيّة، وما سيرافقها من تضخّم وغلاء في الأسعار.
علي نور الدين - اساس ميديا