مقالات

ما أشبه اليوم بالأمس. فيوم سقطت الليرة فريسة الدولار في ثمانينات القرن الماضي، كان لها ما يعذرها، إذ كان لبنان لبنانات، مدنه خطوط تماس ونار، ويومياته تهجير وقصف عشوائي، وكانت الكلمة للشارع وميليشياته، وللإحتلالات التي كانت تجثم على كامل مساحة الوطن.
أما اليوم فإن لبنان الثمانينات لا يزال هو هو، لبنانات الجُزر الطائفية، والسياسية، والميليشيات المتقاتلة، وهذه المرة داخل الدولة وعليها. لكن الفارق هو أنه عندما سقطت الليرة أواسط الثمانينات، كان الدَّين العام صفرا، وديون الدولة للقطاع الخاص صفرا، وفائض الموظفين في القطاع العام صفرا، والمرافىء، والمطار، والجباية، والضرائب، ومعظم موارد الدولة تقارب الصفر، فيما كان مصرف لبنان "يختبئ" خلف أكياس الرمل، والتحصينات الإسمنتية، والعمل بمعظمه تحت الأرض والتهديد والوعيد، لكن قوة الإرادة جعلت الخوف عند حاكميته صفرا. وفي السياق، حافظ البنك المركزي على سلامة القطاع المصرفي وودائع الناس، وجعل الإفلاسات المصرفية فيه صفرا. وكانت عامة الناس، على سبيل الإحتياط، تشتري العملة الخضراء، وتودعها أكثر خزائن الأرض أماناً (كما تقول الأسطورة) أي مصارف لبنان.
أما عندما انهارت الليرة قبل نحو ثلاث سنوات، كانت كل مقومات الدولة موجودة، رئاسات، مؤسسات، جبايات، ضرائب، رسوم، مرافىء تستورد بلا ضوابط، ومطار مفتوح على المعمورة، وما يدخل الى جيب الدولة يكفي "وبيكفي بلاد أخرى".
والسؤال: أين كانت قوة الليرة سابقا، وكيف اضمحلت؟ معلوم أن قوة العملة هي من قوة الاقتصاد الوطني، ومعلوم أيضا أن الثقة الى جانب الاقتصاد، هي ثاني أهم قوة للنقد. ولكن في بلد الحدودُ فيه سائبة، والتهريب الى الخارج ثقافة واستراتيجيا، يتداخل فيها السياسي مع المالي وحتى الطائفي، والمالية العامة فيها لا تعرف ثباتا للأرقام، والموازنة مغيّبة منعاً للشفافية، والمماحكات السياسية والنكايات الحزبية تظلل معظم القرارات الحكومية، والقرارات المضادة، وفي بلد تعمل المؤسسات لمرجعيتين في آن، الأولى إدارية هي الدولة، والثانية هي المرجعية السياسية أو الحزبية أو الطائفية التي تتقاسم مع أترابها من المستولين على البلاد التوظيفات والخدمات والمنافع… في بلد كهذا ليس مستغربا أن تسقط الليرة ومعها الاقتصاد في براثن المجهول.
سقطت الليرة يوم سقطت المؤسسات زمن الحرب، لكن الاقتصاد والمصارف بقيا صامدين، فأعادا إنتاج النمو من جديد، وسقطت الليرة اليوم، لحظة "سُرق" الاقتصاد الى غير وجهته، وأجبِرت المصارف على تمويل الهدر والفساد والشعبوية الاقتصادية وفائض التوظيف، وكلفة الشحن السياسي والمذهبي والحروب الصغيرة بين "قادة" البلد المنكوب بهم. فمن اين نأتي الآن باقتصاد يرفد الليرة بقوة فيجعلها عصية على الكسر ويحييها بثقة لا تخذل المستثمرين كلما اهتز هيكل السياسة وبناء المنافع المشتركة بين حكامه؟
في شرحه للظروف والمتغيرات التي ساهمت بانهيار الليرة بين الثمانينات واليوم، يوضح الأمين العام المساعد لاتحاد أسواق المال العربية الدكتور فادي قانصو أنه "خلال السنوات الممتدة بين عامي 1985 و1992، شهد سعر صرف #الليرة اللبنانية مقابل الدولار تدهورا لافتا من نحو 6 ليرات للدولار الواحد إلى حدود 3 آلاف ليرة، أي ما يوازي 500 ضعف، لتفقد الليرة حينذاك كل وظائفها، وخصوصا دورها كأداة تداول، ووصل انهيار الليرة الى مرحلة يحتاج فيها المواطن إلى كميات كبيرة من السيولة لأبسط أنواع التسوق. وفقدت الليرة دورها كوحدة محاسبة، حيث إن تدهور سعر الصرف جعل قراءة البيانات المالية بالعملة المحلية يفقد صدقيته. كذلك فقدت الليرة خلال تلك الفترة دورها كعملة ادّخار، مع بلوغ دولرة الودائع في المصارف نسبة 92% وهو أعلى مستوى لها على الإطلاق، نتيجة التحويلات الجماعية من الليرة إلى الدولار. وفقدت الليرة أيضا دورها كأداة إقراض، لأن المصارف توقفت عن إعطاء قروض بالعملة اللبنانية في ظل سوق قطع متدهورة باطّراد، لأن المقرض يخسر والمقترض يربح من تردّي سعر الصرف، فأصبحت دولرة التسليفات تناهز 85% في نهاية العام 1990".
أما في الفترة التي تلت العام 1992 وحتى العام 2019، أي بعد انتهاء الحرب اللبنانية، فيشير قانصو الى أنه "مع تعزز عامل الثقة مجددا وتدفق الرساميل نحو الاقتصاد الوطني، تحسن سعر الصرف نسبيا ليستقر عند حدود الـ1,500 ليرة للدولار منذ العام 1997 وحتى العام 2019. فاستعادت الليرة تدريجا خلال تلك الفترة أدوارها الأربعة التقليدية، إما كليا وإما جزئيا، إذ استعادت دورها كأداة للتداول حيث عادت التبادلات التجارية تجري على نحو متزايد بالعملة الوطنية، كما استعادت الليرة دورها كوحدة محاسبة. فالليرة وبعد سنوات طويلة من الاستقرار، وتحديدا تجاه الدولار المرتبطة به عضويا، صارت تُعتمد أكثر فأكثر للأغراض المحاسبية. كما استعادت الليرة دورها جزئيا كعملة ادخار، ففي مناخ من الاستقرار النقدي، المدعوم بمستوى كبير من الاحتياطات بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان آنذاك، أقدم المودعون والمستثمرون بوتيرة متزايدة على تحويل وفوراتهم بالعملات الأجنبية إلى الليرة والافادة من الفارق المغري في معدلات الفائدة الدائنة. كذلك استعادت جزئياً دورها الرابع، وهو الدور الإقراضي، أو العملة الناشطة في التسليف. ففي الواقع، وحتى نهاية العام 2018، كانت حصة العملات الأجنبية من مجموع تسليفات المصارف اللبنانية تشكل نحو 67% خصوصا بعد الرزم التحفيزية التي أطلقها مصرف لبنان بالليرة في غضون السنوات الماضية".
ولكن منذ بداية العام 2020، فـ"إن فقدان عامل الثقة في ظل التخبط السياسي الذي شهده لبنان، ومع دين عام قارب الـ100 مليار دولار في نهاية العام 2019 (في حين لم يكن يتجاوز الـ4 مليارات دولار في العام 1992)، ناهيك عن تراجع حركة الأموال الوافدة إلى لبنان والذي ضغط على ميزان المدفوعات ليسجل عجوزات كبيرة في العامين المنصرمين، توازيا مع استنزاف حاد في احتياطات مصرف لبنان السائلة إلى ما دون 10 مليارات دولار خلال أقل من 3 أعوام مع خلق نقد ملحوظ بالليرة في ظل تنامي العجز المالي للدولة، فإن سعر صرف الليرة مقابل الدولار عاد ليشهد تدهورا بوتيرة سريعة من 1,500 ليرة للدولار إلى أكثر من 55 ألف ليرة للدولار، أي ما يوازي 37 ضعفا (بالمقارنة مع 500 ضعف بين عامي 1985 و1992)"، وفق ما يقول قانصو. وعليه، يعتبر "ان الاختلالات البنيوية القائمة اليوم في البلاد تؤشر الى أزمة اقتصادية قد تكون للوهلة الأولى أقل ضراوة من أزمة الثمانينات، غير أنها بلا شك أكثر تشعبا وشمولية، بدءا من أزمة ماكرو اقتصادية إلى أزمة مصرفية ونقدية وأزمة في المالية العامة وأزمة مديونية، مرورا بالتضخم المفرط بحيث سجل لبنان أعلى نسب تضخم في العالم، ناهيك عن أزمة سياسية حادة مع انحلال شبه تام في مؤسسات الدولة، في حين أن أزمة الثمانينات كانت متمثلة بالدرجة الأولى بأزمة حكم نجمت عنها حرب أهلية انكمش معها الناتج المحلي الإجمالي، أضف إلى ذلك أزمة في المالية العامة مع فقدان الدولة السيطرة على مواردها المالية، فأصبحت إيراداتها لا تكفي حتّى لسدّ نفقاتها الجارية، ولكن من دون انكشاف كبير على الديون بالعملات الأجنبية، وتلا ذلك أزمة نقد وتضخم مفرط".
ويشير الى أن "الليرة اللبنانية فقدت لغاية اليوم 3 أدوار لها: أداة الإقراض ووحدة المحاسبة وأداة الادخار، في حين أن آخر وظيفة متبقية، أي أداة للتبادل، بدأت تُحتضر وهي في مرحلة الموت السريري ونحن على أبواب دولرة شبه شاملة إذا ما استمرت التقلبية اللافتة في سعر الصرف".
وعلى رغم كل ما تقدم، لا شك في أن فرص النهوض في لبنان لا تزال متاحة ولكن ضمن مسار إصلاحي شاق وطويل يشوبه عدد من التحديات والعراقيل، برأي قانصو "وهو ما يتطلب عددا من الإجراءات المتمثلة بداية بانتخاب رئيس للجمهورية، ما يعني تحسنا ملموسا على صعيد المناخ الداخلي العام، يليه تشكيل حكومة بشكل سريع تفعّل عجلة الإصلاحات الهيكلية الضرورية الكفيلة بتعزيز عامل الثقة عموما، مع ما يمثل ذلك من حجر أساس لاستعادة إنتاجية المؤسسات اللبنانية من جهة، كما يتطلب انحسارا متدرجا للعوامل الإقليمية المعاكسة ذات التداعيات السلبية على الساحة المحلية من جهة أخرى، كي يتحقق الانفراج الاقتصادي المنشود، الذي يحتاج باختصار إلى توافر عدد من العناصر المترابطة لضمان نجاحه، اي حكومة توحي الثقة وذات صدقية قادرة على تطبيق ما يلزم من إجراءات، الحشد الدولي والدعم المالي لتمويله، عامل الوقت لتترجَم هذه الاصلاحات بشكل فعلي ونبدأ بقطف ثمارها، والأهم من كل ذلك صدق النيات بين مختلف الأفرقاء السياسيين لضمان المناخ المؤاتي من الاستقرار السياسي والأمني".
سلوى بعلبكي-النهار



