مقالات

تسعى ماليزيا، بصفتها إحدى أبرز دول جنوب شرق آسيا، إلى تعزيز دورها الإقليمي والدولي من خلال مجموعة من التحركات الاستراتيجية التي تعكس جهودها في التعامل مع التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. على الرغم من الاستمرارية في السياسة الخارجية للبلاد على مدى العقود الماضية، فإنها تُظهر ديناميكية متزايدة استجابةً للتطورات العالمية، مع التركيز على تحقيق توازن بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين.
منذ تولي أنور إبراهيم منصب رئيس الوزراء في نوفمبر 2022، سعت ماليزيا إلى تعزيز علاقاتها مع الشرق الأوسط، خاصةً بعد المصالحة السعودية–الإيرانية في مارس 2023. في أغسطس 2023، زار وزير الخارجية الماليزي إيران، مما يعكس محاولة ماليزيا الانفتاح على إيران وتعزيز التعاون الثنائي. كما عقد رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم اجتماعات مع الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وكذلك خلال القمة العربية الإسلامية المشتركة في الرياض.
في نفس السياق، كان لأنور إبراهيم اهتمام خاص بتطوير علاقات استراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي، مثل السعودية والإمارات، لدعم أهدافه في تعزيز الاستثمارات الأجنبية في البلاد وتعزيز الروابط التجارية. هذه الجهود تعكس رغبة ماليزيا في تعزيز استثماراتها الاقتصادية وزيادة صادراتها.
منذ توليه منصب رئيس الوزراء، اتخذ أنور إبراهيم مواقف حازمة بشأن القضايا الإسلامية على مستوى العالم، وخاصة القضية الفلسطينية. خلال الصراع الأخير بين إسرائيل وحماس، دافع أنور عن علاقات ماليزيا مع حماس، رغم الضغوط الغربية لإدانتها. في الأيام التي تلت عملية "طوفان الأقصى"، أجرى أنور مكالمة هاتفية مع إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس، للتعبير عن دعم ماليزيا الثابت للشعب الفلسطيني.
علاوة على ذلك، انتقد أنور الدول الغربية لتجاهلها وتواطئها في استمرار الصراع، وأدان هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، موضحًا أن المشكلة بدأت بعدوان إسرائيل على غزة. في ديسمبر 2023، أعلنت ماليزيا حظر السفن التي تحمل العلم الإسرائيلي ومنعت السفن المتجهة إلى إسرائيل من تحميل البضائع في موانئها.
على الرغم من تصريحات أنور إبراهيم في بداية توليه منصبه حول عدم الانحياز، شهد عام 2023 تطورات ملحوظة في العلاقات الثنائية بين كوالالمبور وبكين. فقد عقد أنور عدة اجتماعات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين الصينيين، بما في ذلك وزير الخارجية وانج يي، ورئيس الوزراء لي تشيانج، والرئيس شي جين بينج. كما سافر إلى الصين مرتين خلال عام واحد، مما أدى إلى توقيع عدة اتفاقيات، أبرزها تمديد مشروع السكك الحديدية الذي تبلغ تكلفته 10.6 مليار دولار، وهو جزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية.
يعتبر هذا التعاون الاقتصادي جزءاً من خطة تتعاون فيها الدولتان حتى عام 2028، وهو ما يعكس الاهتمام المستمر في تعزيز العلاقات الاقتصادية. لم يعقد أنور اجتماعات مماثلة مع كبار المسؤولين الأمريكيين، على الرغم من استقرار العلاقات بين ماليزيا والولايات المتحدة.
كانت ماليزيا من بين دول جنوب شرق آسيا التي استنكرت العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022. ومع ذلك، على غرار بقية دول الجنوب العالمي، لم تنضم كوالالمبور إلى فرض العقوبات على روسيا. ورغم تعاطف بعض قطاعات السكان مع روسيا، صوتت ماليزيا مع الولايات المتحدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس 2022 لإدانة الحرب.
نتيجة للحظر المفروض على روسيا، فقدت ماليزيا القدرة على شراء طائرات سو–30 مباشرة من موسكو، مما أثر على مخزونات الطائرات الاحتياطية لديها. في عام 2023، وقعت ماليزيا عقدًا مع كوريا الجنوبية لتزويدها بـ18 طائرة مقاتلة كورية الصنع من طراز FA–50، في محاولة لتعويض النقص في الطائرات.
أدى التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين إلى تعزيز جاذبية ماليزيا كمركز للاستثمار، خاصةً في قطاع التكنولوجيا وصناعة أشباه الموصلات. تجذب ماليزيا شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل شركة فنجشي الصينية وشركتي الرقائق الأمريكيتين ميكرون وإنتل، بالإضافة إلى شركات أشباه الموصلات الأوروبية مثل إيه إم إس أوسرام وإنفينيون.
توجه العديد من الشركات إلى فتح مصانع جديدة في ماليزيا، مما يعزز مكانتها كوجهة استثمارية رئيسية. في عام 2023، اجتذبت ماليزيا استثمارات بلغت قيمتها 12.8 مليار دولار، وهو ما يتجاوز إجمالي الاستثمارات التي تلقتها في الفترة من 2013 إلى 2020 مجتمعة. تسعى الحكومة الماليزية إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات كجزء من خطتها التنموية الطموحة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
في ظل غياب منطقة جنوب شرق آسيا عن مجموعة البريكس، أعلنت ماليزيا أنها ستتقدم بطلب عضوية لمجموعة البريكس، مع احتمال كبير لقبول طلبها. يشير توسع مجموعة البريكس إلى استمرار عدم الرضا عن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، ويعكس سعي دول الجنوب العالمي لتحقيق تعددية قطبية.
في يناير 2024، وقعت ماليزيا مذكرة مع سنغافورة لتطوير منطقة اقتصادية مشتركة تهدف إلى تعزيز حركة البضائع والأشخاص بين ولاية جوهور وسنغافورة. من المتوقع أن يتم الوصول إلى الاتفاق النهائي بحلول سبتمبر 2024، مما يعزز الروابط الاقتصادية بين البلدين.
هذه المنطقة الاقتصادية ستغطي مساحة شاسعة تصل إلى 3505 كم²، مما يجعلها أكبر من منطقة شنتشن الصينية. تهدف إلى تعزيز التعاون في 16 قطاعًا اقتصاديًا، بما في ذلك الكهرباء والإلكترونيات والتصنيع والرعاية الصحية.
تصاعد النشاط الماليزي على الساحة الدولية والإقليمية مدفوع بمجموعة من المحفزات الرئيسية، بما في ذلك اهتمام القيادة الماليزية بالشؤون الخارجية، موقعها الاستراتيجي في حركة التجارة العالمية، ورغبتها في التفاعل مع التغيرات في النظام الدولي.
تسعى ماليزيا إلى تحقيق توازن بين مصالحها الوطنية والمتغيرات الجيوسياسية، مما يجعل مراقبة تحركاتها على الساحة الدولية أمرًا حيويًا في السنوات المقبلة. قدرة أنور إبراهيم على تحويل ماليزيا إلى قوة استراتيجية في المنطقة ستظل محور اهتمام، خاصةً في ضوء رئاسة ماليزيا لرابطة دول جنوب شرق آسيا في عام 2025.
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى عدم نسخ ما يزيد عن 20 في المئة من مضمون الخبر مع ذكر اسم موقع Dailybeirut وارفاقه برابط الخبر.
دايلي بيروت