مقالات

في ظل التحديات الأمنية المتزايدة التي يواجهها لبنان والمنطقة، يتزايد الحديث عن إمكانية تعزيز العلاقات بين لبنان وحلف شمال الأطلسي، المعروف اختصارًا بـ الناتو. هذا الحديث اكتسب زخمًا إضافيًا مؤخرًا بعد دعوة صريحة من النائب وليد البعريني، عضو تكتّل "الاعتدال الوطني"، الذي طالب الدولة اللبنانية بـ "اتخاذ موقف جريء ورفع طلب الانضمام إلى حلف الناتو بأسرع وقت". وأوضح البعريني أن هذا الطلب ينبع من حرصه على حماية لبنان، وليس من أي رغبة في الانضمام إلى محور معين، خاصة بعد سنوات من "كذبة محور انهارت أسرع بكثير مما كان متوقعًا".
إن دعوة البعريني، ورغم أنها أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط اللبنانية وتسببت في بعض السخرية لعدم إمكانية الانضمام الكامل، تشير إلى بحث مستمر عن حلول عملية لأمن لبنان. ورغم أن الانضمام الكامل إلى الناتو كعضو دائم غير ممكن للبنان، لأن موقعه الجغرافي لا يندرج ضمن "منطقة شمال الأطلسي" المحددة في معاهدة الحلف، إلا أن هناك سبلًا متعددة للشراكة والتعاون يمكن للبنان من خلالها أن يحقق فوائد جمة.
سبل الشراكة مع الناتو
المدخل الرئيسي لتعاون لبنان مع الناتو يكمن في "الحوار المتوسطي"، وهو إطار أساسي لتعاون الحلف مع دول المنطقة غير الأعضاء. تأسس هذا الحوار عام 1994، ويهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وبناء الثقة والتفاهم المتبادل بين الأطراف. بصفته دولة متوسطية، يمكن للبنان الانخراط بشكل أعمق في هذا الحوار، أو حتى تطوير برامج تعاون فردية مصممة خصيصًا لتلبية احتياجاته الخاصة. هذه البرامج عادةً ما تغطي مجالات واسعة من التعاون، لعل أبرزها التعاون الأمني والعسكري. هنا، يمكن للناتو أن يقدم برامج تدريب متطورة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، تشمل مكافحة الإرهاب، إدارة الأزمات، العمليات الخاصة، وصولًا إلى الدفاع السيبراني الذي أصبح ضرورة ملحة. كما يتيح هذا التعاون تبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية حول التهديدات الإقليمية، مما يعزز قدرة لبنان على تقييم المخاطر واتخاذ الإجراءات الوقائية، وقد يشمل الدعم تحديث المعدات العسكرية اللبنانية وتحسين قدراتها التشغيلية. ليس هذا فحسب، بل يمكن للناتو أن يدعم لبنان في تطوير خطط الاستجابة للكوارث الطبيعية والأزمات المدنية، وتقديم المساعدة الفورية في حالات الطوارئ.
إلى جانب الجانب العسكري، تمتد سبل الشراكة إلى بناء القدرات والدفاع المؤسسي. يستطيع الناتو تقديم المشورة والدعم في إصلاح وتطوير المؤسسات الأمنية اللبنانية لتعزيز الشفافية والمساءلة، خاصة وأن الحلف يولي اهتمامًا خاصًا لمكافحة الفساد في قطاعات الدفاع والأمن. هذا التعاون يصب في صالح تعزيز الحوكمة الرشيدة في القطاعات الأمنية والعسكرية اللبنانية.
أخيرًا، تفتح الشراكة الباب أمام الحوار السياسي وتبادل الآراء. يتيح هذا الحوار للبنان فرصة لا تقدر بثمن لتبادل وجهات النظر مع الناتو حول التطورات الأمنية الإقليمية والدولية، وتنسيق المواقف بشأن التحديات المشتركة. كما أن الانخراط المستمر في هذه الحوارات يساعد على بناء الثقة المتبادلة، ويزيل أي مفاهيم خاطئة حول دور الناتو في المنطقة.
الفوائد المحتملة للبنان
يمكن للبنان أن يجني فوائد جمة من هذه الشراكة، لعل أهمها تعزيز الأمن والاستقرار. فالتعاون مع الناتو يمثل مظلة أمنية غير مباشرة للبنان، من خلال تعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، سواء كانت تتعلق بالإرهاب أو تهريب الأسلحة. ورغم أن الشراكة لا تعني الالتزام بالدفاع الجماعي وفقًا للمادة الخامسة من معاهدة الناتو، إلا أنها يمكن أن توفر للبنان دعمًا دوليًا ومظلة سياسية تسهم في ردع أي اعتداءات أو تدخلات خارجية، وتلعب دورًا في حماية سيادته.
وبشكل مباشر، تساهم برامج التدريب والتجهيز التي يقدمها الناتو في تحديث وتطوير القدرات العسكرية للجيش اللبناني، مما يجعله أكثر كفاءة وفعالية في أداء مهامه. وفي أوقات الأزمات، تعزز الشراكة قدرة لبنان على الاستجابة للكوارث والأزمات، من خلال الاستفادة من خبرات الناتو في هذا المجال، كما رأينا بعد انفجار مرفأ بيروت حيث سارعت فرق من دول أعضاء في الناتو لتقديم المساعدة في عمليات البحث والإنقاذ.
علاوة على ذلك، تمنح الشراكة مع الناتو لبنان دورًا أكبر في المجتمع الأمني الدولي، وتساهم في رفع مكانته كشريك موثوق ومسؤول في جهود حفظ السلام والاستقرار الإقليمي. وأخيرًا، يمكن للناتو أن يكون شريكًا داعمًا في مساعي لبنان نحو إصلاح قطاعاته الأمنية والدفاعية، مما يعزز الشفافية والمساءلة ويحسن أداء المؤسسات.
في الختام، ورغم تعقيدات المشهد السياسي والأمني في لبنان، فإن السعي نحو شراكة أعمق مع حلف الناتو، ضمن الأطر المتاحة، يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام لبنان لتعزيز أمنه، وتطوير قدراته الدفاعية، والمساهمة بفعالية أكبر في استقرار المنطقة. فهل يرى لبنان في هذه الشراكة مفتاحًا لمستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا؟