تكنولوجيا وعلوم
بعد 30 عاماً من الغموض.. جين DHRS7 يكشف آلية وقائية تحمي الأنسجة من الالتهاب
حدد باحثون في مركز ميموريال سلون كيترينج جيناً مسؤولاً عن إنتاج إنزيم يحمي الأنسجة السليمة من الأضرار الجانبية للاستجابة المناعية، بعد عقود من الغموض العلمي.

بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على رصد جزيء دهني محير للباحثين، نجح فريق علمي في تحديد الجين البشري المسؤول عن إنتاج الإنزيم الذي يصنع هذا الجزيء. وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في كشفه عن آلية دفاعية مزدوجة يعمل بها الجهاز المناعي؛ فبدلاً من مجرد مهاجمة مسببات الأمراض، تستخدم هذه الآلية إشارة كيميائية لحماية أنسجة الجسم السليمة من التلف الناتج عن المواد الكيميائية التي تطلقها الخلايا المناعية أثناء المعركة ضد العدوى.
تحديد هوية الجين المجهول
بدأت القصة العلمية عام 1992 حين اكتشف باحثون في جامعة ماكجيل جزيئاً يُعرف بـ «5-oxoETE»، يلعب دوراً في توجيه الخلايا المناعية نحو مواقع الالتهاب. ورغم رصد إنزيم قادر على إنتاج وتفكيك هذا الجزيء آنذاك، ظل الجين البشري المسؤول عنه مجهولاً لعقود، مما عطل فهم وظائفه البيولوجية. أخيراً، تمكنت يانان ما، الباحثة في معهد سلون كيترينج، من تحديد الجين «DHRS7» كمصدر لهذا الإنزيم، مستفيدة من أبحاث سابقة لزميلها كينج لام هوي، ضمن مشروع يقوده عالم الأحياء الخلوية فيليب نيثامر.
استخدام أسماك الزرد كبديل للفئران
اختار الباحثون مساراً غير تقليدي بالاعتماد على أسماك الزرد بدلاً من القوارض الشائعة في التجارب الطبية. ووفقاً لما أوضحته يانان ما، فإن التشابه الجيني بين البشر والفئران يبلغ نحو 80%، لكن الفئران تفتقر إلى مستقبل مناعي ضروري للتعرف على جزيء «5-oxoETE». في المقابل، تحتفظ أسماك الزرد بكامل مكونات هذا النظام البيولوجي، مما سمح بدراسة الإشارات الكيميائية داخل كائن حي وكشف وظائف لم تكن معروفة سابقاً. وللتأكد، أجرى الفريق تجارب على خلايا بشرية مزروعة أثبتت أن تعطيل الجين «DHRS7» يوقف نشاط الإنزيم تماماً.
مفاجأة زيادة الالتهاب عند التعطيل
خلال بحث موازٍ عن التهاب القولون، قام الباحث ميكلوش لينجيل بتعطيل جين «hcar1-4» (النسخة السمكية من الجين البشري «OXER1») لدى أسماك الزرد. وكان المتوقع أن يقلل ذلك من الالتهاب، لكن النتيجة جاءت عكسية؛ إذ أصيبت الأسماك بالتهاب معوي رغم غياب أي عدوى. وزادت الحيرة عندما وجد الفريق أن إزالة الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة الميكروبات (العدلات) لم تمنع حدوث الالتهاب أيضاً. كما أدى تعطيل جين «DHRS7» إلى ارتفاع مستويات الالتهاب بدلاً من انخفاضه، مما دفع العلماء لإدراك أن هذا المسار لا يقتصر على التنشيط المناعي بل يؤدي وظيفة وقائية أساسية.
آلية الحماية من الإجهاد الكيميائي
أظهرت التجارب أن الخلايا المناعية تطلق مواد شديدة التفاعل لإقتلاع البكتيريا، لكنها قد تتلف الخلايا السليمة المحيطة إذا خرجت الاستجابة عن السيطرة. هنا يتدخل مسار «5-oxoETE» لمساعدة الأنسجة على تحمل هذا الإجهاد الكيميائي. وترتبط هذه الحماية بإنزيمات تُعرف باسم «NUDIX hydrolases»، التي تحافظ على سلامة الخلايا عبر التخلص من وحدات بناء الحمض النووي التالفة قبل أن تعيق العمليات الحيوية. وعند فشل هذا الدرع الوقائي، تصبح خلايا الأمعاء عرضة للتلف حتى من البكتيريا الطبيعية الموجودة فيها، مما يحفز استجابة التهابية دون وجود ميكروب غازٍ فعلي.
انعكاسات علاجية محتملة
قد يفتح هذا الفهم الجديد آفاقاً لعلاج أمراض مرتبطة بالالتهاب مثل السرطان والربو وأمراض الأمعاء الالتهابية. فقد رصدت دراسات سابقة طفرات في جيني «DHRS7» و«OXER1» داخل أورام الجهاز الهضمي والرحم، وربطت الطفرات المعطلة لوظيفة «OXER1» بنتائج صحية أسوأ لدى مرضى سرطانات القولون والبنكرياس والكلى. ويرى الباحثون أن تنشيط هذا المسار مستقبلاً قد يساعد الأنسجة السليمة على مقاومة الإجهاد التأكسدي، وربما يقلل الأضرار الناجمة عن العلاج الإشعاعي أو الكيميائي. كما تشير النتائج إلى دور المسار في حماية الأغشية المخاطية للأمعاء والجهاز التنفسي، حيث ارتبط انخفاض مستويات «5-oxoETE» بتفاقم الحالة لدى مرضى التهاب الأمعاء.
دور الإصابات الجسدية في تفعيل الآلية
يمتد البحث الحالي ليشمل كيفية استجابة المسار للإصابات الجسدية وليس فقط العدوى الكيميائية. ويحلل طالب الدكتوراه زازا جيلاشفيلي دور القوى الميكانيكية الناتجة عن إصابة الأنسجة، وكيف تؤدي لتغيرات في أغشية الخلايا وإطلاق حمض الأراكيدونيك، وهو مادة أولية لإنتاج «5-oxoETE». وتشير الأدلة إلى أن الجسم يدمج بين الإجهاد الميكانيكي والكيميائي لإطلاق استجابة منسقة تحمي الأنسجة وتواجه الخطر في آن واحد. ومع ذلك، يؤكد العلماء أن تحويل هذه النتائج إلى علاجات بشرية يتطلب مزيداً من الدراسات، خاصة لفهم الدور المزدوج للإشارات الالتهابية وتطوير أدوية تحافظ على آليات الحماية الطبيعية للجسم.
آخر الأخبار

أبل: تجاوز تطبيقات آيفون Duo القابل للطي حاجز 100 ألف

تحسين ذاكرة ميتا يرفع دقة المهام إلى 90% ويقلل النسيان

أنثروبيك تطلق "التقارير الذكية" لمراقبة استخدام الموظفين لكلود


