ثقافة ومجتمع
يوضح خبير نفسي أن الاعتذارات المُرتبطة بالراحة الذاتية أو التبرير أو التوقيت الخاطئ تُعمّق الفجوة مع الأبناء البالغين بدلًا من إصلاحها.

يُبرز خبير الصحة النفسية جيفري برنستاين، الحاصل على درجة الدكتوراه، في تحليلٍ نُشر في ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦، أن كثيرًا من الآباء الذين يقدّمون اعتذارات متكررة لأبنائهم البالغين لا يحقّقون التقارب المنشود، بل يُفاقمون المسافة بينهم. ويشير إلى أن هذه الظاهرة ليست استثنائية، بل تُشكّل نمطًا متكررًا يسمعه أسبوعيًّا من آباء يعانون انقطاع التواصل مع أبنائهم البالغين.
يوضّح برنستاين أن الاعتذار الفاشل لا ينبع من غياب النية الصادقة، بل من سوء فهم لطبيعة الاعتذار نفسه: فهو ليس أداةً للحصول على تخفيف الذنب الشخصي، ولا وسيلةً لتبرير السلوك السابق، ولا حدثًا يُفرض حسب توقيت الطرف المعتذر دون مراعاة استعداد الطرف الآخر. ويُفصّل هذا الفشل في ثلاث نقاط رئيسية مترابطة.
أولًا: الاعتذار الذي يطلب شيئًا في المقابل. فحين يقول الأب أو الأم «آسفٌ جدًّا»، فإن صوت الطفل البالغ لا يسمع سوى «من فضلك اغفر لي كي أتوقف عن الشعور بالسوء». وهذا النوع من الاعتذارات، الذي يُسمّيه الكاتب «الموجّه نحو التخفيف الذاتي»، يحوّل العبء العاطفي مرة أخرى إلى الابن البالغ، بدل أن يكون الاعتذار فعلًا يركّز على تأثير السلوك على الآخر.
ثانيًا: الاعتذار الذي يحتوي على تفسيرٍ أكثر مما يحتويه من اعترافٍ صريح. ويضرب برنستاين أمثلةً مباشرةً مثل: «آسفٌ لأنني كنتُ صارمًا جدًّا، لكنني كنتُ خائفًا عليك»، أو «آسفٌ بشأن الطلاق، لكن والدك وأنا حاولنا كل ما في وسعنا». ويؤكد أن ظهور كلمة «لكن» في أي اعتذار يُنهي فعاليته فورًا في إدراك الابن البالغ، إذ يتحول الاعتذار حينها من اعترافٍ بالخطأ إلى دفاعٍ عن الذات، فيتوقف المستمع عن سماع الندم، ويبدأ في الاستماع إلى حجةٍ يرى أنها لا علاقة لها بما عاناه هو شخصيًّا.
ثالثًا: توقيت الاعتذار غير المنسجم مع استعداد الابن البالغ. فالآباء غالبًا ما يختارون اللحظة التي يشعرون فيها بأقصى درجات الذنب — بعد مكالمة هاتفية صعبة، أو ليلة بلا نوم، أو عند استحضار ذكرى مؤلمة — لكن هذا التوقيت يعكس رحلة الطرف المعتذر الداخلية، وليس جاهزية الطرف الآخر لاستقبال الاعتذار. وعندما يُقدَّم الاعتذار دون دعوة، يصبح عبئًا إضافيًّا يُلقى على كاهل الابن البالغ، الذي قد يكون مشغولًا بالتعامل مع تحديات يومية أخرى.
ويقترح برنستاين نموذجًا بديلًا للاعتذار الفعّال: أن يكون قصيرًا، غير مُدافعٍ عنه، وغير طالبٍ لأي ردٍّ أو تسوية. ويقدّم مثالًا عمليًّا: «فكّرتُ في مدى صرامتي حين كنتَ تكبر، وقد كنتُ مخطئًا، وأتفهّم إن كان ذلك ما زال يؤثر فيك». وبعد هذه الجملة، يشدد على ضرورة التوقف الفوري عن الكلام — وهي الخطوة الأصعب للوالدين — وعدم ملء الصمت بأسئلة مثل «ماذا تفكر الآن؟» أو «هل تقبل اعتذاري؟».
ويخلص برنستاين إلى أن التعافي من الماضي لا يتحقق عبر تكرار الاعتذارات أو الإسهاب في التفسيرات، بل عبر إظهار التغيير العملي والمستمر دون إعلانٍ مسبق، وترك المجال للابن البالغ ليقرّر، وفق جدوله الزمني الخاص، متى يثق بهذا التغيير.