ثقافة ومجتمع
القبول الجذري يحرر أبناء الطلاق الرمادي من دوامة الحزن
تسلط مقالة جديدة الضوء على مفهوم "القبول الجذري" كأداة علاجية لمساعدة البالغين الذين عانوا من طلاق والديهم في سن متأخر.

غالباً ما يستمر الأطفال، حتى بعد بلوغهم سن الرشد، في محاولة التعافي لسنوات طويلة عقب انفصال والديهم في مرحلة متقدمة من العمر، وهو ما يُعرف بـ "الطلاق الرمادي". يمكن أن يؤدي هذا النوع من الانفصالات، خاصة إذا اتسم بالصراع العالي، إلى إبقاء الأبناء عالقين في حالة حداد مزمنة. يرى المعالجون أن تقبل الحقائق المؤلمة دون مقاومة قد يساهم في إنهاء المعاناة غير الضرورية، حيث يعني القبول الجذري مواجهة الواقع وليس الموافقة على ما حدث.
لقاء أول مع مريضة تعاني من آثار الطلاق
في مكتبها، استقبلت الدكتورة كارول هيوز (Carol R. Hughes)، حاصلة على درجة الدكتوراه ومعالجة أسرية مرخصة، والمعالج بروس فريدنبيرغ (Bruce R. Fredenburg)، الذي يحمل درجة الماجستير في علم النفس الإكلينيكي، مريضتهما الجديدة أوليفيا (Olivia) البالغة من العمر 25 عاماً. كانت أوليفيا ترافقها كلبتها العلاجية "فرايد" (Friede). بدأت أوليفيا الحديث بحرارة، مشيرة إلى أن الكلاب العلاجية ساعدتها كثيراً في تعافيها السابق خلال برنامج إعادة التأهيل، ووصفت كيف كان الحب غير المشروط والفهم الصامت لهذه الحيوانات يخفف من آلامها.
ردّت الدكتورة هيوز بتسامح على تعليق أوليفيا حول دورها "الثاني" مقارنة بالكلب، مما خفف من التوتر الأولي. جلست أوليفيا على أريكة المكتب وبدأت سرد قصتها بأسلوب سريع ومتقطع، موضحة أنها أحالت نفسها عبر برنامج الرعاية اللاحقة، ولديها راعٍ في جمعية المدمنين المجهولين (AA). طلبت إذن المعالجة لسماع كلماتها بصوت عالٍ رغم ملئها للاستبيانات السابقة، مؤكدة أهمية التعبير المباشر عن مشاعرها.
تفاصيل صراع عائلي دام ثماني سنوات
كشفت أوليفيا أنها ابنة وحيدة، وأن عائلتها الممتدة من عمات وأعمام وأجداد كانت تمثل هويتها بالكامل. وقع طلاق والديها عندما كانت في العاشرة من عمرها، بينما كانا في الخمسينيات من العمر. استمر هذا الانفصال لأكثر من ثمانية سنوات وشهد صراعاً شديداً. عينت المحكمة محامياً خاصاً للقاصر، وصفته بأنه رجل صالح حاول مساعدتها قدر المستطاع. انقسمت العائلة بين مؤيد للأب ومؤيد للأم، وعاشت أوليفيا وسط انتقادات متبادلة مستمرة، مما جعلها تشعر بأنها تعيش في منطقة حرب فعلية.
أثارت هذه الذكريات دموع أوليفيا وتوترها الجسدي، لكن المعالجة شجعتها بأخذ وقتها الكامل لاستحضار التفاصيل. وصفت أوليفيا اختفاء صورة عائلية كبيرة كانت معلّقة فوق المدفأة، تاركةً فراغاً رمزياً وملحوظاً في منزلها. عاشت في هذا الفراغ، وكافحت خلال مراحل دراستها الثانوية والجامعية والعليا للبحث عن هوية بعيدة عن ارتباطها العائلي المتصدع. بدأت شرب الكحول في الكلية، وخضعت للعلاج للإقلاع عنه، وتحقق لها حالياً أكثر من ثلاث سنوات من الصحو. رغم نجاحها المهني واجتماعاتها الداعمة، لا تزال تشعر بالعجز عن تجاوز الماضي.
دوامة الحداد وتأملات في معنى القبول
سألت المعالجة عن طبيعة شعور أوليفيا بالجمود، فأجابت بأن الأحداث تتكرر في ذهنها بشكل قهري. تساءلت باستياء عن كيفية تجاهل والديها لتأثير كراهيتهما عليها، وعن عدم رؤية أفراد العائلة لطفلتها التي كانت تفقد جزءاً كبيراً من حياتها وتشعر بالفراغ. استخدمت تشبيهاً إنجيلياً لحركة العائلة التي ابتعدت عنها مثل انقسام البحر الأحمر، مما تركها في عزلة تامة. أثناء بكائها، تذكرت المعالجة اقتباساً للروائية الحائزة على جائزة بوليتزر، توني موريسون، تصف فيه الحداد بأنه "صراخ جميل وطويل، لكنه بلا قاع وبلا قمة، مجرد دوائر من الأسى". قدمت الاقتباس لأوليفيا التي أكدت أنه يعبر بدقة عن شعورها المستمر طوال هذه السنوات.
بعد فترة صمت، بدت أوليفيا أكثر تحدياً، معربة عن رغبتها في تجاوز تلك المرحلة. أشادت المعالجة بقوتها، مشبهة إياها بطائر الفينيق الذي ينهض من رماد عائلته الأصلية، لكنها أشارت إلى استمرار معاناتها. سألتها عن فهمها لصلاة السكينة (Serenity Prayer) في جمعية المدمنين المجهولين، والتي تدعو لقبول ما لا يمكن تغييره والشجاعة لتغيير ما يمكن. اعترفت أوليفيا بعدم حبها للصلاة لأنها تجعلها حزينة، وربطت ذلك تحديداً بجزء "قبول الأشياء التي لا أستطيع تغييرها". أدركت أخيراً، وهي تربت على رأس كلبتها، أنها عالقة بسبب مقاومتها لعملية القبول ذاتها.
إعادة تعريف القبول كأداة تحرر نفسي
شرحت المعالجة أصل كلمة "قبول" (Accept) اللاتينية التي تعني "أخذ الشيء لنفسه أو استقباله"، وليس الموافقة عليه أو التصديق به. دعت أوليفيا للتفكير في الأمر كوجود حاضر مع شيء قائم بالفعل. قبل خمسة عشر عاماً، لم تكن قادرة على "استقبال" حقيقة طلاق والديها والخسائر الناتجة عنه لأن الأمر فرض عليها. اليوم، كامرأة ناضجة، يمكنها فتح يديها واستقبال حقيقة أن كل ذلك حدث، بدلاً من مقاومته بأيدٍ مغلقة قبضات. سألتها: كيف ستشعر اليدين المفتوحتين؟
نفذت أوليفيا الطلب، فوضعت يدها اليمنى بجانب اليسرى على حجرها، وقلبت كفّيها للأعلى. وضعت الكلبة فرايد رأسها بين يديها. جلس الاثنان في صمت، حاضران في اللحظة الراهنة. بعد دقائق، سألت المعالجة عما تلاحظه أجسادها وكلماتها. بدأت أوليفيا تشعر بالسكينة المذكورة في الصلاة، ليس كإقرار بالموافقة، بل كتحرر من المقاومة. يمثل هذا المفهوم، المعروف بـ "القبول الجذري"، خطوة أساسية في مساعدة أبناء الطلاق الرمادي على الخروج من دوامة الحزن المزمن والتوجه نحو التعافي الحقيقي.
آخر الأخبار

سلام خلال لقائه روبيو: لضرورة الانتقال إلى مرحلة تفعيل الإطار الثلاثي

وزارة الاقتصاد دعت إلى المشاركة في مزايدة عمومية لبيع خردة إهراءات مرفأ بيروت

"أمناء النفط".. كيف صنع "الحرس" شبكة تجار جديدة بمليارات الدولارات؟


