ثقافة ومجتمع
نموذج PRO: تحويل الأهداف من تجنب السلبيات إلى بناء إيجابيات
تربط الأبحاث الطولية بين أهداف التجنب وزيادة التوتر، بينما يساعد نموذج "المشكلة-العلاج-النتيجة" في صياغة طموحات بنائية.

كثير من الأهداف التي يضعها الأفراد لا تعبر عمّا يسعون لخلقته، بل تصف فقط ما يرغبون في التوقف عنه. تربط الدراسات الطولية هذه الصيغة من "أهداف التجنب" بمستويات أعلى من الإجهاد وجودة حياة أقل. إن خفض القلق أو النزاع أو الفشل ليس مرادفاً لتنمية الشجاعة أو الحميمية أو الإتقان.
إعادة تعريف الدوافع عبر نموذج PRO
تبدو عبارات مثل "أريد أن أتوقف عن الشعور بالتأخر"، أو "أريد أن أوقف التفكير المفرط في التفاعلات الاجتماعية"، أو "أريد إنهاء الخلافات المتكررة مع شريكي"، كأهداف واضحة. لكنها في الواقع لا تحدد المرغوب فيه، بل تركز على الهروب من حالة قائمة. ولأن اتجاه الحياة يتشكل بالأهداف المطاردة، فإن البقاء محصوراً في حل المشكلات دون تحديد نتيجة إيجابية قد يستغرق سنوات دون الاقتراب من الحياة المنشودة.
يقدم نموذج "المشكلة-العلاج-النتيجة" (PRO)، الذي طوره Tompkins وLawley عام 2006، إطاراً لفصل ما نرغب في وقفه عما نرغب في خلقه. تتكون المشكلة من وجود شيء غير مرغوب فيه (مثل الشعور بالإرهاق). أما العلاج فهو الرغبة في زوال تلك المشكلة (التوقف عن الشعور بالإرهاق). بينما النتيجة هي وصف الحالة الإيجابية المرادة بدلاً منها (الشعور بالهدوء والقدرة على اختيار التركيز).
تنظم كل من المشكلة والعلاج حول العائق القائم، في حين تبني النتيجة نحو الحالة المرغوبة. فعلى سبيل المثال، يمكن تحويل الشعور بعدم الأمان إلى هدف غني: بدلاً من مجرد الرغبة في "الثقة بالنفس"، يصبح الهدف القدرة على دخول غرفة والتحدث بحرية مع أشخاص مثيرين للاهتمام رغم التوتر.
منع الفراغ السلوكي وتحديد النتائج
يغير هذا النموذج طريقة التفكير في التغيير. قد يبدو تقليل وقت استخدام الهاتف هدفاً منطقياً، لكنه يحدد فقط ما يجب أن يختفي دون ذكر ما سيحل محله. غياب بديل جذاب يترك فراغاً تسهل العودة إليه للعادات القديمة. لكن التحول نحو نتيجة مثالية، مثل "أمسيات مليئة بأنشطة تشد الانتباه لدرجة نسيان التحقق من الهاتف"، يوفر شيئاً ملموساً للعمل نحوه.
عندما تلاحظ نفسك تقول "يجب أن أتوقف عن..." أو "أريد أن أزيل..."، اطرح سؤالاً إضافياً: "وإذا لم تعد هذه مشكلة، فما الذي أريد أن يحدث بدلاً من ذلك؟". استمر في التساؤل حتى تحصل على إجابة تصف شيئاً قابلاً للتحقيق الفعلي.
اللغة النظيفة وبناء النتائج الشخصية
نشأ نموذج PRO من منهجية "اللغة النظيفة" للاستجواب، والتي تستكشف تجربة الشخص مع تقليل الافتراضات والتفسيرات التي يفرضها السائل. بدلاً من تشكيل إجابات الآخرين، تساعد هذه المنهجية الأشخاص على التعبير عن نتائجهم الخاصة. فمثلاً، عندما يقول شخص إنه "منهك" (مشكلة)، يسأل الميسر: "وعندما تكون منهكاً، ماذا تريد أن يحدث؟". إذا أجاب بأنه يريد التوقف عن العمل كثيراً (علاج)، يعيد السؤال: "وعندما تتوقف عن العمل كثيراً، ماذا تريد أن يحدث؟". لتأتي الإجابة النهائية: "أريد طاقة كافية بعد العمل للاستمتاع بالوقت مع عائلتي" (نتيجة).
هذا النهج يحول الانتباه مع الحفاظ على النمو الشخصي الناتج عن بناء الفرد لهدفه الخاص. فالنتائج الواضحة تفتح خيارات أكثر مقارنة بأهداف التجنب. عبارة "أريد أن أتحدث بحرية في الاجتماعات حتى لو كان هناك بعض القلق" تتيح احتمالات أوسع بكثير من "أريد أن أتوقف عن الشعور بالقلق". والأهم أن تحقيق النتيجة لا يتطلب اختفاء المشكلة أولاً.
علم النفس الإيجابي وأهداف المقاربة
بدلاً من تصميم الحياة بالكامل كرد فعل على ما هو خاطئ فيها، يمكن طرح سؤال أشمل: ليس "ماذا يجب أن يختفي؟" بل "ماذا يجب أن يوجد؟". الحياة الجيدة ليست مجرد غياب الأشياء السيئة. وفي مجالات متعددة من علم النفس، لا يعني خفض السلبيات تنمية الإيجابيات؛ فغياب القلق لا يساوي الشجاعة، وغياب النزاع لا يساوي الحميمية، وغياب الفشل لا يساوي الإتقان.
كان هذا المفهوم مركزياً في ظهور علم النفس الإيجابي، حيث جادل Martin Seligman وMihaly Csikszentmihalyi عام 2000 بأن علم النفس يجب ألا يقتصر على المرض والنقاط الضعيفة، بل يجب أن يشمل نقاط القوة والوظائف الإيجابية. وقالوا إن "العلاج ليس مجرد إصلاح لما مكسور؛ بل هو تغذية لأفضل ما في الإنسان".
يتميز أيضاً بين "أهداف المقاربة" (التحرك نحو حالة مرغوبة) و"أهداف التجنب" (منع أو الهروب من حالة غير مرغوبة). وجدت الأبحاث الطولية أن أهداف التجنب قد تتنبأ بتوتر أكبر واعتماداً أكبر على آليات التكيف التجنبية وجودة حياة ذاتية أسوأ (Elliot et al., 2011). ومع ذلك، لا يعني هذا أن التجنب خاطئ دائماً؛ ففي حالات مثل العلاقات المسيئة، يكون منع الحالة غير المرغوبة هو التركيز الصحيح. الهدف هو تجاوز المشكلة والعلاج للوصول إلى نتيجة محددة بوضوح.
لذا، كلما وجدت نفسك ترغب في "أقل" من شيء ما، اسأل: "ماذا أريد المزيد منه بدلاً من ذلك؟". فبدلاً من "أريد ضغطاً أقل"، قل "أريد وقتاً وتحكماً وحرية أكبر في أسبوعي". وبدلاً من "أريد التوقف عن الشعور بالوحدة"، قل "أريد تعزيز علاقات أشعر فيها بالفهم والتقدير والترابط". عندئذٍ، يمكننا بناء حياة تعكس قيمنا الحقيقية، وليس فقط ما نحاول تجنبه.





