ثقافة ومجتمع
الغفران يُحرّرنا من العزلة النفسية
يوضح خبير القيادة أنتوني سيلارد أن الغفران ليس فعلًا موجّهًا للآخرين بل وسيلة أساسية لتحرير الذات من الاستياء المزمن الذي يُعمّق الشعور بالوحدة.

يُبرز أنتوني سيلارد، الحاصل على درجة الدكتوراه في مجال القيادة، في تحليلٍ نُشر في ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦، أن الغفران لا يرتبط فقط بتطويب الآخرين أو محو الأذى، بل هو آلية حيوية لإعادة تأهيل الذات عاطفيًّا واجتماعيًّا. ويؤكد أن الشخص الذي يعجز عن الغفران ليس بالضرورة من يشعر بالعزلة — بل هو المُتضرِّر نفسه.
الاستياء كحالة متكررة من التجمّد العاطفي
يعرّف سيلارد الاستياء بأنه شعورٌ بالغضب يُعاد تجربته مرارًا وتكرارًا حتى يصل إلى حالة من الشلل النفسي. ويشير إلى أن الجذر اللاتيني لكلمة «استياء» يتكون من «ري» (أي «مرة أخرى») و«سنتير» (أي «أشعر»)، ما يجعل المعنى الحرفي «أشعر بالغضب مرةً بعد مرة». وينقل عن القديس أوغسطينوس، اللاهوتي من القرن الرابع، قوله: «الاستياء يشبه شرب السمّ والانتظار حتى يموت الآخر».
ويُظهر استطلاع حديث أجرته مركز بيو للأبحاث أن نسبة الأمريكيين الذين ينظرون إلى الحزب الجمهوري أو الديمقراطي بشكل غير مواتٍ متشابهةٌ جدًّا: ٥٨٪ تجاه الحزب الجمهوري و٥٩٪ تجاه الحزب الديمقراطي. كما تشير دراسة أجرتها جامعة كامبريدج إلى أن الرسائل السلبية والعدائية التي تستهدف مجموعة خارجية تُشارَك أو تُعيد تغريدها بمعدل يفوق ضعف المحتوى الموجّه لمجموعة داخلية.
الانقسام السياسي ليس الجذر الوحيد
ويوضح سيلارد أن الانقسام السياسي، رغم بروزه، قد لا يكون المشكلة العميقة الوحيدة. فتصنيف جديد أصدره مركز بيو للأبحاث يقسّم الأمريكيين إلى تسع فصائل سياسية مختلفة الهوية والقيم. لكن الجذر الأعمق، وفق رؤيته، شخصيٌّ وليس سياسيًّا: سواء كان الشخص الذي يصعب غفرانه شريكًا سابقًا أو والدًا أو زميل عمل أو حتى شخصًا من طرف معاكس في الساحة السياسية، فإن السبب العاطفي المشترك هو اتخاذ قرار يوميٍّ بإعادة تجربة الإصابة النفسية والسماح للشخص المسؤول عن الأذى باحتلال المساحة الذهنية في الحاضر.
ويستند سيلارد في هذا الاستنتاج إلى تجربته العملية كأستاذ قيادة ومدرّب لقيادات تنفيذية وكبار المدراء وأفراد، حيث وجد أن المشكلات التي يواجهها أي شخص في المنزل أو المكتب يمكن دائمًا تتبعها إلى شخصٍ من ماضيه حكم عليه ولم يستطع غفرانه. ويكرر أن الشخص الذي لا يمكن غفرانه نادرًا ما يكون من يشعر بالوحدة — بل هو الشخص الذي يحمل الاستياء.
فوائد الغفران المثبتة علميًّا
ويُصحّح سيلارد فكرة شائعة مفادها أن الغفران هو فعلٌ موجّه أولًا للآخرين، مشيرًا إلى أنه في الواقع موجّهٌ في المقام الأول لصالح الفرد نفسه. فدراسة أظهرت أن الكاثوليك والبروتستانت في أيرلندا الشمالية، الذين فقدوا أحد أفراد أسرتهم بسبب عنف وتمكنوا من غفران القاتل، سجّلوا انخفاضًا بنسبة ٤٠٪ في أعراض الاكتئاب. كما وجدت دراسة أخرى أجراها عالم النفس لورين توسينت على ٣٣٢ بالغًا على مدى خمسة أسابيع أن الغفران يرتبط بتحسين الصحة النفسية وتقليل التوتر.
وبالإضافة إلى ذلك، يرتبط الغفران بانخفاض مستويات الوحدة والغضب والاكتئاب، وزيادة التعاطف مع الآخرين والقرب في العلاقات. ويوضح سيلارد أن النصيحة الشائعة «اغفر وانسى» قد تكون مضللة: فالنسيان لا يخدم الحماية، فمثلًا إن وقعت في حفرة، فإن نسيان مكانها لا يساعدك على تجنّب الوقوع فيها مجددًا.
الغفران لا يعني استعادة الثقة
ويؤكد سيلارد أن الغفران لا يؤدي بالضرورة إلى استمرار العلاقة. وفي كثير من الحالات، يمكّن الغفران الشخص من الانفصال عن العلاقة، ليس جسديًّا فحسب، بل عاطفيًّا ونفسيًّا أيضًا. ويوضح أن الثقة تربط، بينما الغفران يحرّر. فالثقة ضرورية لتطور العلاقات، أما الغفران فهو ضروري لتطور الذات.
ويشير إلى أن الثقة ليست سلوكًا تكيّفيًّا تطوريًّا بالضرورة، إذ قد تفضي إلى أذى أكبر من الطرف الآخر. فمثال الرجل الذي يعتذر لزوجته عن الخيانة، ثم يستعيد ثقتها، ثم يواصل خيانتها لاحقًا، يوضّح هذه الفكرة بدقة. ويخلص إلى أن الثقة في شخصٍ أساء إليك ليست ضرورية لنموك الإنساني، أما الغفران له فهو ضروري. فحتى تسمح لمعاناتك بالانحسار من الحاضر إلى الماضي، يجب أن تتخلى عنها أولًا.
الغفران كشرط لدخول العلاقات الجديدة
ويشرح سيلارد أن عدم الغفران يترك الفرد «عالقًا بين الأشخاص»، ما يمنعه من الدخول بحرية في علاقات جديدة أو إعادة بناء الثقة مع آخرين. فالغفران يخلق مساحةً تسمح بازدهار العلاقات مجددًا. وهو لا يُحرّرك لتعيد الثقة بالشخص الذي أساء إليك فقط، بل يُحرّرك عمومًا لتعيد الثقة بالآخرين — سواء كانوا أصدقاءً أو شركاءً عاطفيين أو زملاء عمل.
وهذا يعني، وبشكل يتناقض مع التوقعات، أن غفرانك لشريك تفاعلي من الماضي ضروري إما لإعادته إلى حياتك أو لاستقبال شريك تفاعلي جديد. فبدون غفران، لا يدخل أحدٌ إلى «مسرحك» الشخصي — وهذه هي النقطة التي تبدأ منها الوحدة. ويختم سيلارد بالقول: بينما يصحّ القول «من وُلد مرةً يخشى مرتين» بالنسبة لمعظم الناس، فإن العبارة «من عجز عن الغفران مرتين، عجز عن التفاعل الاجتماعي مرتين» صحيحةٌ أيضًا، وللأسف.
آخر الأخبار

المرأة الغامضة التي أذهلت العالم من وسط دمار أوديسا

شجار جوي على متن رحلة بيمان بنغلاديش يثير قلق الركاب

الحجار: نعمل على ترسيخ سلطة الدولة وتعزيز دور مؤسساتها الشرعية


