صحّة
أعطت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) الضوء الأخضر لنظام علاجي جديد يُستخدم فيه التحفيز المغناطيسي المُوجَّه وفقاً لأنماط النشاط الدماغي الفردية لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة.

منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) الموافقة على نظام علاجي جديد يُصنَّف كأول علاج غير دوائي معتمد رسمياً لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، ويستند إلى خرائط نشاط دماغي فردية تُوظَّف لتخصيص جلسات التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة.
يُقدَّر أن نحو ١٧٫٥ من قدامى المحاربين في الولايات المتحدة يلقون حتفهم انتحاراً يومياً، بينما يُشخص ٧٪ منهم سنوياً باضطراب ما بعد الصدمة. ويظهر الاضطراب عادةً بعد التعرض لأحداث تتجاوز حدود الإجهاد العادي، مثل القتال أو الحوادث أو الكوارث الطبيعية أو أشكال العنف الأخرى. وخلال العمر، يعاني حوالي ٦٪ من السكان من أعراض هذا الاضطراب، وتكون النسب أعلى بكثير بين النساء وقُدامى المحاربين.
منذ إدراج اضطراب ما بعد الصدمة رسمياً في التشخيص الطبي عام ١٩٨٠، ظل العلاج النفسي بالحديث والعقاقير المثبطة لاسترجاع السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، مثل السيرترالين والفلوكسيتين، الخيارين الرئيسيين. لكن هذه الأساليب لا تحقق نتائج فعالة لدى جميع المرضى. وخلص استعراض أُجري عام ٢٠٢٠ إلى أن متوسط تحسن درجات الأعراض الذاتية تراوح بين ٦٫٨ و١٠٫١ نقطة، فيما لم تتجاوز معدلات الشفاء التام ١٠٫٩٪.
طوّرت شركة وايف نيوروساينس في كاليفورنيا، بالتعاون مع فريق البحث بقيادة الدكتور كينيث س. راموس في معهد علوم الأحياء والتكنولوجيا الطبية التابع لجامعة تكساس إيه آند إم هيلث، نظاماً علاجياً يدمج قياس النشاط الكهربائي الدماغي عبر تخطيط كهربية الدماغ (EEG) مع التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS). وقد حصل هذا النظام، الذي أُطلق عليه اسم "التحفيز المغناطيسي الإلكتروني المُوجَّه" (MeRT)، على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بعد مسار تسريع تم منحه في عام ٢٠٢٤ تحت تصنيف "الاختراق العلمي".
وبحسب ما أفاد به الدكتور إريك وون، الرئيس الطبي التنفيذي للشركة، حقق النظام في التجربة السريرية التي أفضت إلى الموافقة نسبة انخفاض في شدة الأعراض بلغت ٥٢٪، أي أكثر من أربعة أضعاف الفعالية المسجلة في الدراسات السابقة. كما بلغت نسبة الشفاء التام في تلك التجربة ٦٨٪. وأضاف وون أن هذه النتائج تمثل "تغييراً نوعياً" و"نقطة تحول" في العلاج المتاح للمرضى من منظور الرعاية السريرية.
ويختلف MeRT عن بروتوكولات التحفيز المغناطيسي التقليدية في تركيزه على التخصيص الفردي: فهو لا يطبق إعدادات موحدة، بل يُعدِّل الجلسات وفقاً لأنماط النشاط الدماغي المُكتشفة لدى كل مشارك. ويشبه الدكتور راموس هذا الاختلاف بتصليح تسرب في السقف: فالعلاج التقليدي يشبه وضع غطاء بلاستيكي مؤقت فوق التسرب لإدارة الأعراض، أما MeRT فيهدف إلى معالجة السبب الجذري، كاستبدال الألواح التالفة بدقة.
وأشار الدكتور ريك سيلفا، المدير التنفيذي للتجارب السريرية في معهد علوم الأحياء والتكنولوجيا الطبية، إلى أن المشروع انطلق خلال جائحة كوفيد-١٩، ووصل إلى مرحلة الموافقة في أقل من سنتين ونصف، وهي فترة قصيرة جداً مقارنةً بالمتوسط الزمني البالغ نحو عقد كامل للمعاملات السريرية للأجهزة الطبية. واعتبر سيلفا أن هذا الإنجاز يعكس الخبرة العلمية والتنظيمية التي توفرت لدى فريق وايف نيوروساينس.
وبينما أقرت الإدارة الأمريكية حتى الآن دوائين فقط لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة، وكلاهما من فئة SSRIs، فإن MeRT يمثل الخيار غير الدوائي الوحيد المعتمد رسمياً لهذا الاضطراب. ولفت البروفيسور إسرائيل ليبرزون، الخبير الرئيسي في الدراسة والمختص في الطب النفسي وعلوم السلوك في كلية الطب التابعة لجامعة تكساس إيه آند إم، إلى أن العلاجات النفسية المتاحة تتطلب مشاركة نشطة من المريض، وغالباً ما ينسحب المرضى منها بسبب ما تثيره من قلق شديد.
وتضمَّنت بروتوكول العلاج في التجربة السريرية خمس جلسات أسبوعياً على مدى خمسة إلى ستة أسابيع. وظهر أن الفوائد العلاجية استمرت بعد انتهاء الجلسات. ووصف وون الوضع السابق بأنه "تجريب عشوائي" يعتمد على الأدوية وآثارها الجانبية ونتائج محدودة، حتى عند العلاج من قِبل أكثر الأطباء تفانياً وخبرة. أما الموافقة على MeRT فهي تشير، وفق قوله، إلى "مستقبل مختلف جذرياً"، يمكن فيه تقييم الاضطراب بشكل موضوعي وعلاجه بدقة وشفاؤه بمعنًى حقيقي.
وأوضح الدكتور ليسلي س. بريتشيب، الرئيس العلمي للشركة، أن الموافقة تعكس عقوداً من البحث في المؤشرات الكهروفيزيولوجية لنشاط الدماغ وتطوير استراتيجيات تدخل شخصية مبنية عليها. أما فريد والك، الرئيس التنفيذي للشركة، فأكد أن الهدف يتجاوز العلاج ليشمل تقليل وصمة العار المرتبطة بالصحة النفسية عبر جعلها تشبه علاج الأمراض الجسدية، باستخدام صور موضوعية تساعد المريض على فهم أسباب تجربته الحياتية. وتعمل وايف نيوروساينس وجامعة تكساس إيه آند إم هيلث حالياً مع الأطراف المعنية لتوسيع الوصول إلى العلاج وضمان تغطيته التأمينية.



