Daily Beirut

اقتصاد

مكاسب الإسترليني مهددة بديون 3 تريليونات وتضخم يتجاوز التوقعات

يواجه الجنيه الاسترليني ضغوطاً متزايدة مع تجاوز الدين العام حاجز الـ 3 تريليونات جنيه وارتفاع التضخم إلى 3.5%، مما يثير تساؤلات حول استدامة مكاسبه أمام اليورو والدولار.

··قراءة 6 دقائق
bank, banking, banknote, britain, british, business, cash, currency, england, english, finance, money, note, paper, pound, spend, sterling, pound, pound, sterling, sterling, sterling, sterling, sterling
مشاركة

تجاوز إجمالي الدين العام البريطاني حاجز الـ 3 تريليونات جنيه إسترليني (تحديداً 3.005 تريليون) بنهاية سبتمبر/أيلول 2026، في وقت سجل فيه معدل التضخم السنوي ارتفاعاً ليصل إلى 3.5%. هذه الأرقام تضع الجنيه الاسترليني تحت ضغط شديد رغم مكاسبه الأخيرة أمام اليورو، حيث تتجه الأنظار نحو اجتماع بنك إنجلترا القادم في 5 نوفمبر/تشرين الثاني لحسم مسألة رفع أسعار الفائدة.

تقلبات العملة والأسواق

سجل الجنيه الاسترليني مكاسب مستمرة أمام اليورو منذ مايو/أيار 2025، لكن البيانات أظهرت تقلبات حادة عقب إعلان الموازنة العامة يوم الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول. وبحسب وكالة رويترز، تداول اليورو عند مستوى 83.67 بنس الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن يرتفع قليلاً إلى 83.72 بنس بعد الإعلان. وفي المقابل، تراجع الاسترليني أمام الدولار من 1.3316 دولار خلال تعاملات الثلاثاء إلى 1.3298 دولار يوم الأربعاء، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.1%.

يرى المحللون أن جزءاً من قوة العملة البريطانية مرتبط بتراجع اليورو نتيجة الاضطرابات السياسية والمالية في فرنسا واقتصادات أوروبية أخرى، بالإضافة إلى توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة في بريطانيا. وحذر محللو بنك HSBC، في تحليل نقلته رويترز بتاريخ 19 أكتوبر/تشرين الأول، من احتمالات تراجع الاسترليني أمام الدولار بسبب قوة الاقتصاد الأمريكي وتوقعات إبقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة مقابل هشاشة زخم النمو البريطاني.

مؤشرات سوق العمل والتوظيف

كشفت بيانات مكتب الإحصاء الوطني الصادرة الثلاثاء 20 أكتوبر/تشرين الأول عن تباين في مؤشرات سوق العمل؛ إذ تراجع معدل البطالة إلى 4.7% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أغسطس/آب 2026، مقارنة بـ 4.8% في الفترة السابقة. كما ارتفع متوسط الأجور الأسبوعية (باستثناء المكافآت) بنسبة 3.7% على أساس سنوي، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين التي كانت تشير إلى 3.6%.

على صعيد التوظيف الفعلي، أظهرت البيانات الأولية زيادة عدد الموظفين المسجلين بكشوف الرواتب بنحو 13 ألف موظف خلال سبتمبر/أيلول، مع تعديل بيانات أغسطس/آب من انخفاض أولي قدره 26 ألفاً إلى زيادة محدودة تبلغ ألف موظف. إلا أن المؤشر الأكثر إثارة للقلق كان تراجع عدد الوظائف الشاغرة إلى 691 ألف وظيفة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر/أيلول، مقابل 712 ألفاً في الفترة السابقة، وهو أدنى مستوى خارج فترة الجائحة منذ عام 2014.

وحذر سورين ثيرو، كبير الاقتصاديين في معهد المحاسبين القانونيين بإنجلترا وويلز، من أن هذا الانخفاض يمثل إشارة تحذير واضحة بشأن سوق العمل. وأوضح في تصريحات نقلتها رويترز يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول أن ارتفاع تكاليف التوظيف والتحولات المرتبطة بالنمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي تضغط على الطلب على العمالة الجديدة، مما يعكس تراجع استعداد الشركات للتوسع في التوظيف.

تصاعد التضخم وتأثيراته

أظهرت بيانات التضخم لشهر سبتمبر/أيلول 2026، التي أُعلنت الأربعاء 21 أكتوبر/تشرين الأول، تسارعاً في ارتفاع الأسعار ليبلغ المعدل السنوي 3.5% مقارنة بـ 3.1% في أغسطس/آب، وفق مكتب الإحصاء الوطني. وكانت القراءة الفعلية أعلى من توقعات اقتصاديين استطلعت رويترز آراءهم والبالغ نسبتها 3.4%، مدفوعة باستمرار الضغوط السعرية المرتبطة بالطاقة والنقل وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

ويحمل التضخم تأثيراً مزدوجاً على الاسترليني؛ فمن جهة قد يدفع بنك إنجلترا لرفع الفائدة مما يزيد جاذبية الأصول المقومة بالعملة البريطانية، ومن جهة أخرى يرفع تكلفة الاقتراض ويضغط على القوة الشرائية والاستثمار. وكان محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، قد أوضح في تصريحات يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول أن انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى الأسعار الأخرى لا يزال محدوداً نسبياً، لكنه شدد على أن الوقت مبكر لاستخلاص نتائج حاسمة بشأن استمرار هذه الضغوط.

قرارات الفائدة والتوقعات المستقبلية

أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75% خلال اجتماعه في سبتمبر/أيلول بأغلبية ستة أعضاء مقابل ثلاثة أيدوا رفعه إلى 4%. لكن التوقعات تغيرت بصورة ملحوظة؛ فبحسب استطلاع أجرته رويترز بين 12 و14 أكتوبر/تشرين الأول، توقع 54 خبيراً من أصل 63 أن يرفع البنك المركزي الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال اجتماعه المقبل في 5 نوفمبر/تشرين الثاني لتصل إلى 4%. ويمثل هذا التحول تغيراً واضحاً عن غالبية المشاركين في استطلاع سبتمبر الذين ترجحوا استمرار تثبيت الفائدة حتى نهاية العام.

ولا يعتبر رفع أسعار الفائدة مكسباً اقتصادياً خالصاً، إذ ترفع كل زيادة جديدة تكلفة الرهون العقارية وتمويل الشركات وخدمة الديون، وقد تؤدي إلى إبطاء الاستثمار والاستهلاك. كما أن استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول يزيد الضغوط على المالية العامة البريطانية، خصوصاً مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية.

عبء الدين وعوائد السندات

يمثل الدين العام أحد أبرز التحديات لاستقرار الاسترليني، إذ بلغ صافي الدين نحو 3.005 تريليون جنيه استرليني بنهاية سبتمبر/أيلول 2026، بما يعادل 94% من الناتج المحلي الإجمالي. وسجل الاقتراض الحكومي خلال سبتمبر/أيلول نحو 24.5 مليار جنيه استرليني، بزيادة تقارب 7.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وتزامنت هذه الضغوط مع ارتفاع عوائد السندات البريطانية لأجل عشر سنوات إلى 5.527% خلال تعاملات 8 أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن تتراجع إلى نحو 5.323% عقب إعلان الموازنة في 28 أكتوبر/تشرين الأول، وفق رويترز. كما تجاوز عائد السندات لأجل ثلاثين عاماً حاجز 6% خلال الشهر الجاري، قبل أن يتراجع إلى نحو 5.711% الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول، في مؤشر على استمرار ارتفاع تكلفة التمويل طويل الأجل.

الموازنة العامة وهامش الأمان المالي

تعتبر الموازنة البريطانية التي أُعلنت في 28 أكتوبر/تشرين الأول اختباراً لقدرة الحكومة على استعادة ثقة المستثمرين وضبط مسار الاقتراض. وأظهر استطلاع لرويترز نُشر في 15 أكتوبر/تشرين الأول وشمل 19 خبيراً اقتصادياً أن الحكومة تحتاج إلى إعادة بناء هامش الأمان المالي إلى نحو 15 أو 16 مليار جنيه استرليني، وهو ما اقتربت منه بالفعل في الموازنة الجديدة حيث بلغ الهامش 15 مليار جنيه، مقابل 23.6 مليار جنيه في مارس/آذار الماضي.

وقالت آنا تيتاريفا، الخبيرة الاقتصادية في بنك UBS الاستثماري، إن الحكومة البريطانية كانت تدخل الموازنة الخريفية في وضع مالي أضعف بصورة ملحوظة مقارنة بشهر مارس/آذار. وأوضحت في تصريحات نقلتها رويترز يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول أن استعادة هامش مالي يقارب 15 مليار جنيه ستتطلب خيارات صعبة، حتى دون العودة إلى مستوى الأمان المالي الذي كان متاحاً سابقاً. وشملت الموازنة دعماً لتخفيف فواتير الطاقة، مقابل زيادة مؤقتة في الضريبة الإضافية على أرباح البنوك.

نمو الناتج المحلي والتوقعات

رغم المخاطر المالية، أظهرت بيانات الناتج المحلي الإجمالي الصادرة في 15 أكتوبر/تشرين الأول استمرار قدرة الاقتصاد البريطاني على تحقيق نمو إيجابي. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.1% خلال أغسطس/آب، بعد نمو بلغ 0.4% في يوليو/تموز. وسجل الاقتصاد نمواً بنسبة 0.7% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أغسطس/آب، مدعوماً بارتفاع نشاط قطاع الخدمات بنسبة 0.9% خلال الفترة نفسها.

لكن البيانات الشهرية كشفت تفاوتاً واضحاً بين القطاعات؛ إذ استقر نشاط الخدمات خلال أغسطس/آب، وتراجع البناء بنسبة 0.2%، بينما ارتفع الإنتاج بنسبة 0.8%. وكان صندوق النقد الدولي قد رفع توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني خلال 2026 إلى 1.3%، مع توقع تباطؤ النمو إلى 1.2% خلال 2027. وفي أحدث تقديرات مكتب مسؤولية الموازنة الصادرة 28 أكتوبر/تشرين الأول، توقع نموًا بنسبة 1.2% خلال 2026 و1% خلال 2027.

اختبارات مستقبلية للعملة

تتوقف قدرة الجنيه الاسترليني على الحفاظ على مكاسبه الأخيرة على ثلاثة اختبارات رئيسية. أولها بيانات التضخم الجديدة التي تجاوزت التوقعات بالفعل، مما عزز رهانات رفع أسعار الفائدة وهو ما يوفر دعماً قصير الأجل للعملة لكنه يزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي. أما الاختبار الثاني فتمثل في موازنة 28 أكتوبر/تشرين الأول التي أظهرت هامش أمان مالي بقيمة 15 مليار جنيه مع رد فعل محدود من الأسواق.

ويأتي الاختبار الثالث مع اجتماع بنك إنجلترا في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، حيث سيكون قرار الفائدة وتقييم البنك للتضخم والنمو عاملين حاسمين في اتجاه الاسترليني. وبينما تشير أحدث تحركات السوق إلى استمرار جاذبية العملة البريطانية، فإن اعتماد جزء من هذه القوة على ضعف اليورو وتوقعات تشديد السياسة النقدية يجعل المكاسب معرضة للتراجع إذا تغيرت الظروف. وهكذا، فإن اقتراب الإسترليني من أعلى مستوياته أمام اليورو منذ 17 شهراً لا ينهي أزمة الثقة المحتملة، بل يضع العملة أمام اختبار أكثر صعوبة؛ فالمكاسب التي تدعمها الفائدة المرتفعة قد تصبح عبئاً إذا استمر التضخم وتزايدت تكلفة خدمة الدين.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة