العالم

في لحظة فارقة من تاريخ الصراع الروسي الأوكراني، يقف الاقتصاد الروسي على مفترق طرق خطير، خاصة مع استمرار الحرب في شرق أوروبا منذ نحو أربع سنوات، إذ بدأت التشققات العميقة في الآلة الاقتصادية الروسية بالظهور بوضوح.
الموازنة الجديدة للأعوام 2026-2028، التي كشف عنها الكرملين في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لا تحمل مجرد أرقام وإحصائيات، بل تمثل اعترافًا صارخًا بأن نموذج الحرب دون تضحيات، الذي روج له بوتين لسنوات، بدأ ينهار.
وتواجه روسيا أزمة ميزانية كاملة، حيث اعترفت الحكومة الروسية الآن بأن موسكو تدخل العام السابع على التوالي من العجز الموازني المرتفع بأكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لم يُشهد منذ عام 1999.
وكشفت الأرقام الرسمية للموازنة الروسية عمق الأزمة، إذ وصل العجز لعام 2025 إلى 5.7 تريليون روبل، بنسبة 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأعلى منذ بدء حرب أوكرانيا.
وفي السياق ذاته، بدأ تأثير العقوبات الغربية يظهر بوضوح، خاصة مع تراجع إيرادات النفط والغاز بسبب انخفاض الأسعار وارتفاع التكاليف اللوجستية وتقلبات أسعار الصرف وتهديدات توسيع العقوبات، حيث انكمشت الإيرادات الفيدرالية بنسبة 16.9% في النصف الأول من 2025.
وأعلنت وكالة الطاقة الدولية في أيلول/ سبتمبر 2025 أن إيرادات روسيا من صادرات المنتجات النفطية انخفضت في أغسطس إلى أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات؛ ما أسهم في تباطؤ الاقتصاد الروسي.
ويرى الخبراء أن الوضع المالي لروسيا بعيد كل البعد عن الطبيعي، خاصة أن مؤشرات الميزانية الجديدة للفترة 2026-2028 تؤكد بدء تأثير العقوبات، رغم ذلك فلا تؤثر هذه المؤشرات في التقدم العسكري.
وأوضح الخبراء أن روسيا لا تزال تمتلك مرونة كافية لتعويض أي نقص في التقدم العسكري، وأن التباطؤ الاقتصادي الحالي ليس تراجعًا كارثيًّا؛ ما يجعل تمويل العمليات العسكرية عملية غير معقدة.
وأضافوا أن الموازنة أُعدت في ظل ظروف صعبة تشمل استمرار العقوبات، وثبات الواردات عند 294 مليار دولار، وضعف نمو الصادرات المتوقع إلى 434 مليار دولار، مع تراجع توقعات النمو إلى 1% فقط لعام 2024.
ولفتوا إلى أن الحكومة تتوقع عجزًا في الموازنة يبلغ 1.6% من الناتج المحلي في 2026، مع تخصيص 29% من إجمالي النفقات للدفاع بما يعادل 12.9 تريليون روبل.
وأكد د. آصف ملحم، مدير مركز "جي إس إم" للأبحاث في موسكو، أن روسيا لا تزال تمتلك «مرونة كافية» في اتخاذ القرار الاقتصادي، تسمح لها بتعويض أي نقص في التقدم العسكري نتيجة التراجع الاقتصادي.
وكشف ملحم لـ"إرم نيوز" أن التباطؤ الاقتصادي الحالي ليس تراجعًا كارثيًّا؛ ما يجعل تمويل العمليات العسكرية عملية غير معقدة، مشيرًا إلى أن روسيا تمتلك شبكة شركاء يمكن الاعتماد عليهم في الحصول على قروض، مع انخفاض الدين الخارجي إلى مستويات "منخفضة نسبيًّا".
وبشأن الموازنة، ذكر ملحم أن الظروف الخارجية تشمل استمرار العقوبات، وثبات الواردات عند 294 مليار دولار مقابل 291 مليارًا سابقًا، وضعف نمو الصادرات المتوقع التي ستبلغ 434 مليار دولار بعد 415 مليارًا، بالإضافة إلى ارتفاع السعر المتوقع للنفط الروسي إلى 59 دولارًا للبرميل مقابل 58 دولارًا.
وأشار إلى تخفيض توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024 إلى 1% بعد 2.5%، مع نمو متوقع في 2026 بنسبة 1.3%، لافتًا إلى أن التضخم في أيلول/ سبتمبر سجل 8%، بالإضافة إلى أن البنك المركزي الروسي خفض سعر الفائدة إلى 16.5%، متوقعًا التعافي من فرط الطلب في النصف الأول من 2026.
وبشأن توقعات الموازنة، أكد أن الحكومة تتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.8% في 2027، و2.5% في 2028، والوصول إلى هدف التضخم 4% في 2026، مع إيرادات تصل إلى 40.3 تريليون روبل في 2026، ثم 42.9 تريليون في 2027، و45.9 تريليون في 2028، مقابل نفقات تبلغ 44.1 تريليون روبل في 2026، و46.1 تريليون في 2027، و49.4 تريليون في 2028.
وأضاف مدير مركز "جي إس إم" أن التعديلات الضريبية ستضيف 1.7 تريليون روبل للموازنة في 2026، معظمها من رفع ضريبة القيمة المضافة من 20% إلى 22%.
وفي مجال الإنفاق، خصصت الموازنة للدفاع 12.9 تريليون روبل في 2026، أي 29% من إجمالي النفقات، مع 3.9 تريليون روبل للأمن القومي، و4.8 تريليون روبل للتنمية الاقتصادية، منها 1.9 تريليون للمشاريع الوطنية التكنولوجية، مؤكدة على الأولوية لكفاءة استخدام الأموال لتحقيق "تنمية متوازنة ومستدامة".
العالم
كرة القدم
العالم
العالم