العالم
الحرب تتعمق داخل النظام الروسي.. لماذا لا يتراجع بوتين رغم كلفة الصراع؟

تُلحق الحرب في أوكرانيا أضرارًا متزايدة بروسيا، من الضربات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية التي رفعت عدد القتلى المدنيين، إلى اضطراب التجارة الإلكترونية ونقص البنزين، وصولًا إلى اقتصاد يواجه نموًا منخفضًا وتضخمًا مرتفعًا.
وفي مايو، قال المصرفي الروسي أندريه كليباتش إن روسيا "تتخلف عن الركب" وتخسر المنافسة التكنولوجية والاقتصادية العالمية، بل "نخسرها لصالح أوكرانيا". وفي أغسطس، فُصل من بنك التنمية الحكومي الذي كان يعمل فيه بسبب تصريحاته.
ومع ذلك، لا تبدو هذه الضغوط كافية لدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تغيير مساره. فبعد أكثر من أربع سنوات ونصف على الحرب، لم تحول روسيا تضحياتها العسكرية الهائلة إلى مكاسب حاسمة، لكن بوتين لا يواجه في المقابل خطرًا سياسيًا حقيقيًا، بحسب "فورين أفيرز".
ولذلك، فإن توقع تنازلات روسية أو تسوية تفاوضية في المدى القريب أو المتوسط يبدو بعيدًا عن الواقع الذي يفرضه النظام الروسي.
نظام صمد أمام الحرب
لم تكن الحرب التي بدأها بوتين العام 2022 قرارًا منفصلًا عن طبيعة النظام الذي بناه طوال أكثر من عقدين. فمنذ وصوله إلى السلطة العام 2000، عمل تدريجيًا على إحكام السيطرة على الدولة والإعلام وقطاع الأعمال، وأضعف القوى الإقليمية والأحزاب السياسية، وأجبر كبار رجال الأعمال على التخلي عن طموحاتهم السياسية.
وبحلول العام 2012، عندما انتُخب رئيسًا للمرة الثالثة، كان قد امتلك نفوذًا واسعًا على القطاعات الثلاثة. وبعد العام 2022، فرّت وسائل الإعلام المستقلة المتبقية ومئات الآلاف من المواطنين المناهضين للحرب إلى الخارج، فيما واجه المنتقدون الذين بقوا في روسيا خطر الاضطهاد.
وقبل الانتخابات البرلمانية التي تبدأ في 18 سبتمبر، منع الكرملين حزب يابلوكو المناهض للحرب من المشاركة، وحُكم على السياسي المناهض للحرب ليف شلوسبرغ بالسجن 11 عامًا. وبذلك أصبح غياب المعارضة الحقيقية جزءًا من الوضع القائم.
لم يكتف بوتين بإحكام قبضته السياسية، بل عمل على عسكرة الدولة والمجتمع. واستثمر بكثافة في قطاع الدفاع، وجعل إحياء ذكرى الانتصار في الحرب العالمية الثانية عنصرًا أساسيًا في هوية البلاد، كما شجع على عسكرة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
وقبل غزو أوكرانيا، خاضت روسيا في عهد بوتين حروبًا وعمليات عسكرية في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا وسوريا.
وبمرور الوقت، أصبحت الحرب مألوفة للروس، فيما نجح الكرملين في تقديمها باعتبارها ضرورة حتمية بسبب أعداء روسيا، وباعتبارها تعبيرًا عن قوتها ومكانتها كقوة عظمى.
حتى تمرد يفغيني بريغوجين العام 2023 لم يتحول إلى ثورة، وانتهى بموته. وفي الوقت نفسه، تظهر استطلاعات الرأي وجود تفضيل متزايد لدى بعض الروس لمحادثات السلام، فيما يشعر أصحاب الأعمال والعمال بالإحباط من ارتفاع الضرائب. لكن هذه الشقوق لا تزال محدودة.
بوتين لا يرى الهزيمة
يرتكز مشروع بوتين على إخضاع أوكرانيا وإجبار الغرب على قبول هذه النتيجة. وفي يوليو، قال أمام جنود البحرية: "عاجلاً أم آجلاً، ستفقد أوكرانيا أراضيها الغربية". ويشير ذلك إلى استمرار رؤيته لروسيا باعتبارها قوة قادرة على فرض شروطها، وليس دولة تبحث عن تسوية.
ولا يواجه بوتين نقصًا واضحًا في الخيارات العسكرية؛ فالجيش الروسي يمتلك قوة بشرية كبيرة لخوض حرب استنزاف، كما تملك البلاد قدرة إنتاجية كبيرة للصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي الداخل، لا يملك الروس أدوات سياسية فعالة للتعبير عن استيائهم.
وقد تتحول الضربات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، بدلًا من إضعاف النظام، إلى مصدر إضافي للنزعة الوطنية والدعم الدفاعي، خصوصًا بين الروس الذين يعادون الغرب. كما يستطيع الكرملين تقديم استمرار الحرب بوصفه دليلًا على استقلال روسيا وقدرتها على رفض الضغوط الأمريكية والأوروبية.
حرب بلا نهاية
يرى الكاتبان أن البوتينية والحرب أصبحتا متداخلتين إلى حد يصعب معه الفصل بينهما. فحتى إذا واجه الاقتصاد مزيدًا من الصعوبات أو تصاعد الاستياء الشعبي، يظل بوتين قادرًا على استخدام مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والموارد الاقتصادية لمواصلة الحرب.
كما أن النظام، رغم اعتماده الكبير على شخصية بوتين، يمتلك مقومات للاستمرار بعد رحيله، إذ تتطلب المعارضة المنظمة قدرة على مواجهة أجهزة أمنية ضخمة رسخها خلال سنوات حكمه.
وبالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، تكمن المسألة الأساسية في إدراك أن بوتين مستعد لمواصلة الحرب لسنوات. فالحرب أصبحت جزءًا من البوتينية، كما أصبحت البوتينية متجذرة في الحرب، وتحول الاثنان إلى عنصرين متلازمين في طريقة حكم روسيا ونظرتها إلى موقعها في العالم.
آخر الأخبار

الرئيس عون غادر باريس: آمل أن تلقى احتياجات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي التجاوب المطلوب

ماكرون يؤكد دعم فرنسا للقوات المسلحة اللبنانية: بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها هدف أساسي

أميركا تكشف تفاصيل عن سلاحها السري!


