العالم

بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في دراسة رفع القيود المفروضة على استخدام أوكرانيا للأسلحة الأمريكية البعيدة المدى، بما يسمح لها باستهداف البنية التحتية للطاقة داخل الأراضي الروسية، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.
مصادر أمريكية كشفت أن البنتاغون وأجهزة الاستخبارات تشارك بالفعل بمعلومات دقيقة لتوجيه ضربات ضد مصافي النفط وأنابيب الطاقة الروسية، في تحول يُنذر بفتح جبهة جديدة من التصعيد بين واشنطن وموسكو.
القرار المحتمل، الذي يمثل أول انخراط مباشر من نوعه منذ بداية الحرب، يأتي في وقت تتحدث فيه أوساط داخل البيت الأبيض عن ضرورة "حرمان موسكو من إيرادات النفط" للحد من قدرتها على تمويل الحرب.
هذه الخطوة اعتبرها الكرملين تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الروسي، وقد يدفعها إلى إعادة تفعيل عقيدتها النووية التي تربط بين "أي استهداف للبنية الاستراتيجية" و"الحق بالرد الشامل".
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تضعف الفاصل بين الحرب التقليدية والمواجهة المباشرة، وتفتح الباب أمام "ردع متبادل غير منضبط"، ويصعب التمييز بين هجوم يستهدف القدرات العسكرية وآخر يضرب اقتصاد الدولة.
سيناريوهات روسية
في البداية، قال المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية الدكتور سمير أيوب، إن القيادة العسكرية الروسية تضع احتمال وصول صواريخ "توماهوك" إلى نظام كييف في خانة الاحتمالات الجدية، وتتأهب لسيناريوهات التعامل معها على هذا الأساس.
وأشار لـ"إرم نيوز" إلى أن مخاوف موسكو لا تقتصر على القدرة التدميرية الكبيرة لهذه الصواريخ أو مداها الطائل الذي يتجاوز 2500 كيلومتر، بل تمتد أيضًا إلى احتمال استبدال الرؤوس التقليدية برؤوس غير تقليدية، ومنها ما يُتداول في الأوساط الغربية حول "القنبلة القذرة".
وأضاف أن القرار المحتمل من إدارة ترامب بتسليم هذا الصنف من الصواريخ إلى كييف سيُعد تصعيدًا خطيرًا يصعب التحكم في تداعياته، محذرًا من أن أي ضربة قوية تستهدف العمق الروسي، خاصة موسكو، قد تجر رداً روسياً شاملًا لا يقتصر على حدود أوكرانيا بل قد يمتد إلى أوروبا وحتى أمريكا.
وأكد المحلل السياسي أن موسكو ترى في مثل هذه الخطوات تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وقد تُفعّل العقيدة النووية الروسية إذا طال الاستهداف منشآت استراتيجية كبرى أو محطات طاقة نووية سلمية داخل الأراضي الروسية.
قدرات أوكرانية وأوروبية
وأوضح أن روسيا تتابع بقلق سيناريوهات المشاركة المباشرة من قبل قوات أمريكا أو بريطانيا في تشغيل هذه الصواريخ، خاصة أن الجيش الأوكراني أو الأوروبي يفتقر إلى القدرة التقنية الكاملة للتحكم فيها دون دعم غربي عبر الأقمار الصناعية وأنظمة الاتصال المتقدمة.
ولفت إلى أن تسليم توماهوك -سواء مباشرة أو عبر طرف ثالث- يعني عمليًا دخول أمريكا كطرف مباشر في الصراع، لأن إطلاق هذه الصواريخ يستدعي طواقم فنية غربية أو دعماً لوجيستياً مباشراً.
وحذر الخبير في الشؤون الروسية من أنه إذا لم ترد روسيا على هذا التحول، فقد يتغير ميزان القوى بشكل دراماتيكي لمصلحة الغرب، ما قد يضعف موسكو ويهدد موقعها الإقليمي والدولي، وربما يعيد سيناريو الانهيار الذي شهده الاتحاد السوفيتي.
وحذر أيوب، أن الرئيس ترامب "يلعب بالنار" إذا قرر تزويد كييف بهذه الصواريخ، وأن الرد الروسي سيكون حتميًا وفوريًا وقد يشمل استخدام أسلحة نووية تكتيكية أو بعيدة المدى لا تستهدف أوكرانيا فحسب بل قد تطال دولًا أوروبية وقواعد أمريكية، وربما تصل تداعياتها إلى الأراضي الأمريكية نفسها.
وشدد على أن استمرار تغذية الحرب بالسلاح لا يؤدي إلى هزيمة روسيا وحدها، بل قد يجر الجميع إلى هزيمة جماعية إذا ما تصاعد الصراع إلى حرب أكبر، مؤكدًا أن الحكمة والتهدئة فقط هما السبيل لتفادي كارثة عالمية.
نظام متعدد الأقطاب
ومن جانبه، قال أستاذ العلاقات الدولية في موسكو الدكتور ميرزاد حاجم إن الولايات المتحدة لم تكن يومًا في صف موسكو، ولن تكون كذلك اليوم، خاصة أن سياساتها واضحة وثابتة تمامًا كما هو الحال بالنسبة لروسيا، مشيرًا إلى وجود بعض نقاط الالتقاء بين الجانبين، إلا أن العالم اليوم يعيش في ظل نظام متعدد الأقطاب، بدأ منذ أيام حلف وارسو والناتو.
وأكد حاجم لـ"إرم نيوز" أن روسيا استطاعت أن تتخلص من عقدة أمريكا، بينما لم تتمكن الولايات المتحدة والدول الأوروبية من التخلص من عقدة موسكو، وحتى وإن قُدمت أسلحة بعيدة المدى لأوكرانيا، فلن يغير ذلك من مسار المعركة شيئًا، ولن يكون هناك رد مباشر من موسكو على واشنطن، لكن من المؤكد أن يد موسكو ستمتد لتهديد أوروبا.
وأضاف أن الرئيس دونالد ترامب عبر في أكثر من مناسبة عن رغبته في دفع الدول الأوروبية المزيد من الأموال مقابل الحماية الأمريكية، ومن أجل استمرار هذه الحماية، لا بد من استفزاز موسكو.
وتابع حاجم: "رأينا تسليم صواريخ جاي إم إل آر إس، ودبابات ليوبارد، وأبرامز، وحتى طائرات مقاتلة، وهذه خطوات رمزية فقط، بينما موسكو اتخذت قرارها ولن تتراجع عنه، وهو إما الوصول إلى سلام دائم وشامل، وإما تحقيق الأهداف العسكرية على الأرض".
وأكمل: "كل ما عدا ذلك هو مضيعة للوقت وتندرج ضمن إطار المناورات السياسية لا أكثر، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، أعتقد أن الشتاء المقبل سيكون الأخير لكييف ولنظامها".