Daily Beirut

العالم

بعد قمة ثالثة.. روسيا ترسخ أقدامها في الساحل الأفريقي بشراكات استراتيجية

··قراءة 3 دقائق
بعد قمة ثالثة.. روسيا ترسخ أقدامها في الساحل الأفريقي بشراكات استراتيجية
مشاركة

أتاحت القمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي عُقدت في العاصمة موسكو في الـ28 والـ29 من شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مواصلة مساعيه لكسب ودّ القارة الأفريقية، وخاصة منطقة الساحل، التي أبرم معها اتفاقيات جديدة فتحت حقبة أخرى بعيدا عن الغرب.

ويضفي وجود موسكو في منطقة الساحل أهمية خاصة على هذا التقارب بالنسبة لباريس المستعمر السابق لهذه الدول، في ظل إبرام مالي والنيجر وتوغو اتفاقيات استراتيجية مع روسيا.

صفقة خاسرة
وبينما تستنكر النخب الغربية هذه الاتفاقيات، واصفةً إياها بـ"صفقة خاسرة"، فإن الواقع على الأرض يقدم رواية مختلفة عن هذه الحقبة من التعاون، عكس السابق حين اضطرت بلدان أفريقية إلى التوسل للحصول على المساعدة من قوى غربية لم تتحدث إلا عن شروطها.

وتُمكّن روسيا، توغو من ترسيخ مكانتها كمركز لوجستي استراتيجي للديناميكية الإقليمية الجديدة. وبدأ البلدان مباحثات حول ممر نقل وطاقة مقترح لنقل البضائع الروسية، بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال، إلى دول الساحل عبر ميناء لومي. وقد أعلن ذلك السفير الروسي لدى توغو، إيغور إيفدوكيموف، لوكالة "المبادرة الأفريقية".

وفي الفترة من الـ29 من شهر أيلول/سبتمبر إلى الأول من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2026، عُقدت الدورة الأولى للجنة الحكومية المشتركة بين توغو وروسيا في مدينة لومي.

وشملت بنود جدول الأعمال: التجارة، والصناعة، والطاقة، والزراعة، والنقل. وفوق كل ذلك، مشروعٌ يُجسّد طموح لومي، "ممر لومي-الساحل للطاقة"، القائم على الغاز الطبيعي المسال، والذي تم تطويره بالتشاور مع دول اتحاد دول الساحل.

وتعد هذه رؤية أفريقية شاملة وواضحة، بعيدة عن الانقسامات العقيمة بين الدول الناطقة بالفرنسية والإنجليزية التي طالما كرّسها قصر الإليزيه.

دلالة رمزية
وفي النيجر، يكتسب الوضع دلالة رمزية أكبر، فالبلاد تمتلك أحد أغنى احتياطيات اليورانيوم في العالم، ومع ذلك يعيش شعبها في ظلام دامس.

وأسفرت مشاورات وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف عن توقيع مذكرة تفاهم بين شركة روساتوم ووزارة المناجم والطاقة النيجرية بشأن برنامج نووي مدني متكامل.

ويتجاوز هذا البرنامج مجرد استخراج اليورانيوم، إذ تلتزم روساتوم ببناء محطات توليد الطاقة، وتدريب الخبراء، بل وتطوير البنية التحتية للطب النووي.

وأعرب الوزير سيرغي تسيفيليف ذلك بصراحة، عندما قال: "هدفنا ليس مجرد المشاركة في تعدين اليورانيوم، بل يجب علينا إنشاء نظام متكامل لتطوير الطاقة النووية السلمية في النيجر، بحيث تكون الكهرباء متاحة لكل مواطن".

وفسحت عقود التعاون مع القوة الاستعمارية السابقة تصدير النيجر اليورانيوم الخام لتشغيل محطات الطاقة الفرنسية، بينما بقيت الأسر النيجرية غارقة في الظلام.

45.7 مليون يورو
وفي مالي، وقّعت شركة النقل والخدمات اللوجستية الحكومية وشركة كاماز الروسية العملاقة عقدًا بقيمة تزيد على 45.7 مليون يورو.

ولا يقتصر العقد على شراء مركبات، وإنما تضمنت بنود العقد إنشاء ورشة صيانة في باماكو وتوريد قطع الغيار، ونقل التكنولوجيا، وتدريب فرق مالية في قازان بروسيا.

كما أن طموح إنشاء مصنع لتجميع مركبات كاماز على الأراضي المالية مطروح على الطاولة.

وعلى مدى عقود، باع الغرب المركبات لجيوش الساحل بينما كان يحرص بشدة على حماية براءات الاختراع والمصانع. أما روسيا، من جانبها، تبدي استعدادها لمشاركة خبراتها من منطق صناعي.

مرحلة أولية
وفي السياق، أعلنت روسيا، في مرحلة أولية، عن إمكانية تنفيذ مشاريع استثمارية بمليارات الدولارات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

جاء ذلك من خلال تصريحات نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، أدلى بها يوم الأربعاء الماضي، على هامش المنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي الأفريقي، مبينًا أنه لن يُنظر إلا في المشاريع التي تُحقق فائدة اقتصادية للمستثمرين والدول المعنية على حد سواء.

وبالتالي، فإن المبلغ المذكور يخص الاستثمارات المخطط لها، والتي لا تزال ترتيبات تمويلها قيد المناقشة. وتشمل المجالات المذكورة التنقيب الجيولوجي، والتقنيات المتقدمة، والمنصات الرقمية.

وبالنسبة لفرنسا يُعدّ التقارب بين روسيا والعديد من حكومات منطقة الساحل أحد أكثر جوانب هذه الاستراتيجية حساسية، ففي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، قطعت السلطات العسكرية علاقاتها مع الشركاء الغربيين الذين تربطها بهم علاقات طويلة الأمد، واتجهت إلى الاعتماد على قوات الفيلق الأفريقي.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة